اتفاق الرياض يفتح آفاقا جديدة للصراع في الجنوب

اتفاق الرياض يفتح آفاقا جديدة للصراع في الجنوب

 

تقرير/ عبدالله محيي الدين

 

السلام الذي تغنت السعودية بإعادته إلى الجنوب، بات كذبة أكثر إثارة للسخرية، في ظل الوضع الأكثر تأزما الذي تعيشه عدن وغيرها من المحافظات الجنوبية، وهو الأمر الذي ينذر بمعركة قد تقضي على كل دعاوى السعودية وتشدقها باسم السلام الذي سوقته عبر اتفاق الرياض الذي لم يُنفذ منه إلا البند المتعلق بالدفع بالقوات السعودية إلى عدن والمحافظات المجاورة لها، لفرض السيطرة عليها.

تصاعد الصراع في الجنوب، بين حكومة هادي المسيطر عليها من قبل حزب الإصلاح والتي تتلقى دعمها من السعودية،، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا، ليتطور إلى مواجهات عنيفة شهدتها مديرية أحور في محافظة أبين الخميس الماضي، باتت بمثابة الشرارة الأولى لجولة جديدة من العنف، تبدو أكثر دموية من سابقتها بحسب مراقبين.

بدأ التوتر بين أطراف الصراع الجنوبي، بالتزامن مع الاقتراب من تنفيذ البنود الأكثر حساسية في اتفاق الرياض، ولا سيما الملحقين الأمني والعسكري، اللذين تعثر تنفيذهما حتى الآن، رغم مضي أكثر من شهر منذ التوقيع على الاتفاق، والذي تم في 5 نوفمبر الماضي. وبالتزامن مع التوتر الذي بدأت وتيرته ترتفع، دفع طرفا الصراع بتعزيزات عسكرية ضخمة لكل منهما إلى مناطق التماس في محافظة أبين، فبعد التعزيزات التي دفعت حكومة هادي من شبوة ومأرب إلى أبين قبل أسبوعين، جاء الرد سريعا من المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي دفع بتعزيزات وصفت بالضخمة إلى قرية الشيخ سالم القريبة من مدينة شقرة الساحلية، التي تتمركز فيها القوات التابعة لحكومة هادي ومسلحو حزب الإصلاح، بما يجعل من محافظة أبين قنبلة موقوتة بعد حشد الطرفين لمقاتليهم وأسلحتهم وعتادهم إليها.

نزع سلاح الانتقالي، وإخراج قواته إلى خارج عدن وغيرها من مدن الجنوب، كانت بمثابة العقدة التي نشبت في حلق المنشار، ففيما تضغط حكومة هادي للمسارعة في تنفيذ هذه البنود الخاصة بالملحقين الأمني والعسكري لاتفاق الرياض، تثور مخاوف الانتقالي من أن كل ما سيحدث هو نزع مخالبه وأنيابه، وتركه يصارع جراحه، مغلوبا على أمره، وغير قادر على فعل شيء.

قد يكون الهروب نحو تفجير الوضع ونسف الاتفاق الذي دفعت الرياض نحو توقيعه بين الطرفين المتصارعين، ضمن استراتيجية الطرفين للخلاص من تنفيذ استحقاقات هذا الاتفاق، وهو ما كانت الرياض تدركه منذ أن أدارت مفاوضاتها الهزلية بين حكومة هادي المضحوك عليها، والانتقالي الموهوم بحكم الجنوب، فمن ناحية حكومة هادي، فإن حزب الإصلاح، الذي يتحكم في كثير من قرارتها، يسعى لنسف الاتفاق الذي يشعر بأنه قد همَّشه، وحجَّم دوره، وحدَّ من طموحه، لصالح مكونات جنوبية، بالإضافة إلى رغبته في أن يستمر الصراع في الجنوب، ذلك أنه يرى نفسه الهدف القادم للتحالف، فيما لو تم تنفيذ اتفاق الرياض، وحُسمت الأزمة الجنوبية. أما من ناحية الانتقالي، فإن الضغط الذي يواجهه من خلال المطالبة بالتخلي عن سلاحه، وحل قواته ودمجها في قوام قوات هادي، قد يدفعه نحو نقض الاتفاق، لشعوره أنه بتخليه عن قوته سيفقد أي تأثير فعلي له على الأرض، لذا فإنه اشترط قبل تسليم سلاحه، أن يسبق ذلك تأسيس هيكل أمني واضح المعالم ومتّفق عليه وبقيادة غير منحازة حزبيا.

لم يكن غائبا عن السعودية أن أحد طرفي الصراع الجنوبي، أو كليهما، سيسارع إلى نسف الاتفاق المفخخ، والمعد في الأساس كطعم يبتلعه الطرفان، ويسلمان بموجبه الجنوب طوعا، ليكون تحت الوصاية السعودية، والتي قد ضمنت لحليفتها الإمارات مصالحها ونفوذها الذي سيكون عبر الوكيل المحلي ممثلا بالمجلس الانتقالي الجنوبي.

بدأ تململ الانتقالي من بند تسليم السلاح، إذ يرى سياسيون أنه ربما أدرك متأخرا، أن ما نص عليه البند هو حصر السلاح الثقيل في يد الدولة ممثلة بحكومة هادي المسيطر عليها من قبل حزب الإصلاح, وهو ما أشار إليه رئيس الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي أحمد بن بريك،  قبل أسبوعين في حوار تلفزيوني، حيث قال: "نرى قفزا على النقاط التي حدّد الاتفاق تسلسلها الزمني"،  مضيفا في حديثه لقناة الغد المشرق "لا يمكن مثلا تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسّطة من قبل المجلس الانتقالي،  بينما لا تزال الأسلحة موجودة بيد حزب الإصلاح والقوى الإرهابية المتواجدة على أرض الجنوب".

 وتساءل بن بريك: "هل نسلّم رقابنا لهؤلاء؟"، وتابع بالقول إنه "لا يمكن تحقيق بند تسليم السلاح قبل أن يتحقّق البند الأوّل الذي هو تأسيس أمن عدن"،  مشيرا إلى تحركات على الأرض لوزراء في حكومة هادي لإفشال تنفيذ اتفاق الرياض الذي وصفه بالجيد "رغم وجود ثغرات فيه".

وكان عسكريون جنوبيون قد أشاروا إلى ارتفاع احتمالية تفجر الوضع، سيما بعد التحشيدات التي قام بها الطرفان إلى محافظة أبين، حيث حذر العميد خالد الوحيشي، القائد السابق للواء الثالث حماية رئاسية، من تفجير الوضع عسكرياً من جديد، في العاصمة المؤقتة عدن. وألمح الوحيشي إلى احتمال اندلاع مواجهات عسكرية بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة هادي، داعيا الطرفين إلى تفجير معركتهم الوشيكة خارج المدن، وبعيداً عن المواطنين.

مراقبون أكدوا أن السعودية قد لا تسمح بنسف اتفاق الرياض، من شق واحد فقط، وهو الشق الذي يضمن لها السيطرة على الجنوب، بغض النظر عن تحقيق استقرار حقيقي، حيث ستحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وفي مناطق محدودة، وبما يحفظ لها السيطرة على جميع الأطراف الجنوبية، لتتفرغ هي لإدارة الصراعات القادمة، بحيث تصب في صالحها.

وأضاف المراقبون أنه من السذاجة اعتقاد أن السعودية تسعى إلى أي استقرار في اليمن سواء في الشمال أو الجنوب، لأن الاستقرار يعني في كل الأحوال تقويض أجندتها الاستعمارية، التي لن يتسنى لها المضي فيها إلا من خلال تغذية الصراعات، وذلك هو ما أثبتته المعطيات على الأرض، مضيفين أن السعودية ستستمر في بيع الوهم لجميع الأطراف السياسية الموالية لها، في جميع المناطق الخاضعة لسطرتها، والواقع الجنوبي أوضح مثال على ذلك.

ذات صلة :