لهذه ...الأسباب استنجدت اليمن بدولة افريقية

لهذه ...الأسباب استنجدت اليمن بدولة افريقية

 

YNP- علي الشراعي

ارتبطت اليمن وبحكم موقعها منذ التاريخ القديم بعلاقات مع الشعوب والممالك الأخرى. 

وأخذت تلك العلاقات جوانب مختلفة توافقيا  كعلاقات تجارية  او تصادميا كمحاولة قوي خارجية السيطرة على اليمن مستغلين التنازع الداخلي واستنجاد احد اطراف الصراع الداخلي  بهم . وهنا نعرض صورة من ذلك الصراع من تاريخ اليمن القديم وبالتحديد بالثلاثة القرون الأولي الميلادية وعلاقة تلك القوى  الداخلية المتصارعة مع الأجنبي ( مملكة اكسوم بالحبشة ) والنتائج الكارثية التي حلت باليمن نتيجة الاستنجاد بالخارج.

 

 حواضر تهامة

  يعود تاريخ العلاقات بين الحبشة واليمن إلى نهاية القرن الثامن وبداية القرن السابع قبل الميلاد حيث كانت سواحل البحر الأحمر  تحت سيطرة  المكاربه من سبأ حيث وجدت  نقوشا تظهر بأن تهامة كانت في ذلك الوقت عامرة بالحواضر .

 

العبور السبئي

 وفي ذلك التاريخ  عبر السبئيين البحر الأحمر ووصلوا إلى الحبشة وتدل النقوش التي عثر عليها في موقع ( يحا ) في منطقة (تغراي ) شمال الحبشة أن السبئيين من سكان مدينتي مأرب وحدقان قد اقاموا في منطقة أكسوم محطة تجارية لهم كما فعل بذلك المعينيون في شمال الجزيرة العربية في منطقة  العلا . ويظهر من خلال نقوش (يحا) بأن الملك ( وعرن حيوث) هو الذي بنى معبد يحا بمشاركة بنائين سبئيين في حوالى العام 700 ق  م .  ويشبه التصميم الهندسي لهذا المعبد المعابد اليمنية في ذلك الوقت وخاصة معبد براقش الذي يعود بناؤه إلى القرن السابع  قبل الميلاد .

 

 التأثير الديني

  يتفق علماء الأثار والنقوش بان السبئيين هم الذين ادخلوا الأبجدية والخط إلى الحبشة ،  ويتبين من النقوش التى عثر عليها في معبد يحا وفي المناطق المجاورة لأكسوم بأن السبئيين  قد أدخلوا آلهتهم (المقه ) المعبود الرئيسي لمملكة سبأ وعثرت وود وذات حميم وذات بعدان وهم الآلهة الرسمية المذكورة في النقوش السبئية . وكان الإله (هويس) معبودا مهما عند السبئيين الذين أتوا إلى الحبشة وايضا عند السكان المحليين وقد بنى له معبد في شمال غرب أكسوم. وقد أدخل السبئيون ايضا نظام المكربين فنجد لقب (مكرب دعمت )و(مكرم دعمت وسبأ ) وهذا ما يدل على الارتباط  الوثيق بين الحبشة وخصوصا قبيلة دعمت وسبأ في القرن السابع ق م .

 

العلاقات التجارية

ومنذ القرن الأول الميلادي وكنتيجة لتطور طرق التجارة البحرية وازدهار الموانئ في اليمن على سواحل البحر الأحمر كموزع والمخا وعدن وبئر علي ( ميناء قنأ ) بالمقابل حصل تطورا على سواحل البحر الأحمر في الجانب الأفريقي المقابل لسواحل اليمن .

وهذا ما يفسر تطور العلاقات التجارية والسياسية بين اليمن والحبشة اعتبارا من القرن الأول الميلادي أي في الوقت الذي ظهرت فيه مملكة اكسوم على الساحة السياسية في المنطقة وذلك في اواسط القرن الأول الميلادي . وقد ساهمت تجارة العاج عبر موانئ البحر الأحمر بدور كبير ومهم  في ازدهار مملكة اكسوم في ذلك الوقت.

 

 النزاعات الداخلية

 يظهر من النقوش المسندية التي تعود إلى القرن الثاني الميلادي بأن الأحباش  استغلوا النزاعات التي كانت قائمة في اليمن وبشكل رئيسي بين مملكتي حمير وسبأ  وأدت هذه النزاعات إلى تمركز الأحباش في تهامة ما يقارب 75 سنة في القرن الثالث الميلادي فقام الملك الحميري( ياسر يهنعم ) ملك سبأ وذي ريدان بمحاربه الأحباش واجبارهم على مغادرة اليمن وتم ذلك في حوالي 270م.

 

 التدخل الحبشي

 أما ورود اسم الحبشة كأرض وقبيلة ومملكة في النقوش السبئية والحميرية فيعود إلى نهاية القرن الثاني الميلادي ففي عهد (علهان نهفان)  ملك سبأ الذي حكم في الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي كانت الأوضاع السياسية في اليمن متأزمة فبعد ان ضمت مملكة حضرموت القسم الأكبر من أراضي مملكة قتبان وتحالفت سبأ مع حضرموت ضد حمير. وفي نفس الوقت تحالفت سبأ في عهد علهان نهفان ملك سبأ مع الحبشة في عهد (جدرت) ملك الحبشة وشنتا حروبا ضد حمير وبفضل هذا التحالف ثبتت الحبشة وجودها في اليمن في المناطق الساحلية للبحر الأحمر في تهامة .

 

  حملات عسكرية

 ولكن هذا التحالف لم يدم طويلا ففي عهد( شعر اوتر بن علهان نهفان) الذي حكم في بداية  القرن  الثالث الميلادي  بدأ وجود الأحباش باليمن يشكل خطرا على سبأ وحمير معا فقام هذا الملك شعر أوتر بحملات عسكرية ضد الأحباش ومن كان يساندهم في مناطق السراة والمعافر ونتج عن هذه الحملات وقف انتشار الأحباش داخل اليمن ولو موقتا وعقد سلم بين سبأ والأحباش .

 

 تهديد مستمر

 ويظهر من أحد نقوش الملك (شعر اوتر) بأن سبأ تحالفت في وقت ما مع حمير ضد حضرموت والظاهر أن الأحباش كانوا يهددون كيان حمير ويوجد نقش يذكر بأن شعر اوتر  ارسل سفارة  إلى جدرت ملك الحبشة وأكسوم وكانت العلاقات بين الحبشة  وممالك اليمن في أواسط القرن الثالث الميلادي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنزاعات التي كانت قائمة التي كانت قائمة في ذلك الوقت بين سبأ وحمير وحضرموت .

 

 تأجيج الصراع

  ففي عهد آل شرح يخصب الثاني الذي حكم في الربع الثاني من القرن الثالث الميلادي كان الأحباش في (المعافر) وكان احد اولاد النجاشي رئيسا عليهم .ويظهر من النقوش بأنهم كانوا متحالفين مع حمير ضد سبأ وكانوا على وئام مع الملك الحميري (شمر يهحمد)  وكان العلاقات بين سبأ وحمير في أوج تأزمها فقام الملك السبئي  بحملات عسكرية في أراضي حمير. وعند رجوع الملك إلى صنعاء من إحدى هذه المعارك شن (جرمت ) ولد النجاشي ومعه أحزاب حبشت أي من الأحباش أو غيرهم من أهل تهامة هجوما ضد سبأ وكان هدف هذا الهجوم مناصرة شمر يهمحد الملك الحميري الذي كان كما يبدو في موقف ضعف ورد الملك السبئي على  هجوم  جرمت وحلفاؤه وجاءت هذه الصدامات بالرغم من اتفاقية السلم التي كانت مبرمة بين سبأ والحبشة .

 

سياسة التجزئة

وكان الأحباش ومعهم الحضارمة يساندون قبائل نجران بالتمرد على ملوك سبأ وأستمر توتر العلاقات بين سبأ والأحباش حتي عهد (نشأ كرب يهأمن يهرحب) آخر ملوك سبأ الذي عاصر الملك الحميري ياسر يهنعم .

 

   حصار ظفار

 وقد تابع الأحباش التغلغل إلى داخل اليمن والسيطرة على موانئ البحر الأحمر  وذلك بمحاصرة أراضي حمير منطلقين من منطقة  المعافر ( بفتح الميم وكسر الفاء وهو من أشهر مخاليف اليمن و يسمي اليوم بالحجرية ويقع في جنوب مدينة تعز جاء ذكره  في كتاب صفة جزيرة العرب  للهمداني وفي  الآداب اليونانية والمساند الحميرية  )  فوصل الأحباش إلى مشارف  مدينة ظفار عاصمة الدولة الحميرية .

 

 جبهة موحدة

 ويظهر من نقوش عهد نشأ كرب  في منتصف القرن الثالث الميلادي بأن سبأ وحمير كانتا في حالة سلم وهذا ما سهل على الملك الحميري( ياسر يهنعم) على محاربة الأحباش وإجبارهم على الرحيل من اليمن وتم ذلك في حوالي العام 270م .

 

 عملاء الأحباش

   وتابع الملك الحميري ( شمر يهرعش) سياسة أبيه بمحاربة القبائل التي كانت تسند الأحباش في المناطق  الساحلية  وفي المعافر .

 

 الدولة اليمنية

 ولم تنقطع العلاقات كليا بين اليمن والأحباش بعد خروج الأحباش ففي بداية القرن الرابع الميلادي نجد( كرب ال وتر يهنعم) ملك (سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت) يرسل وفدا رسميا إلى أرض الحبشة وقد رجع هذا الوفد ومعه وفد حبشي .

 

 الاستقلال الأول

 صورة من كفاح شعب ضد محتل دام ما يقارب 75 عاما مستغلا الصراعات الداخلية بين القوى اليمنية المختلفة الطامعة لسلطة مما عرض اليمن لأطماع غازي مبررا غزوة وسيطرته على اليمن بطلب من احد القوى المتصارعة لمساندتهم ضد خصومهم . ولكنه كان يسعي لتحقيق اطماعه ومكاسبه  فمزق الوطن واشعل نيران الفتن والصراعات المتعددة. فأدركت القوى المتصارعة خطرا ذلك الغازي فتوحدت القوي اليمنية فيما بينهما بجبهة داخلية قوية فتم طرد الأحباش من اليمن عام 270 ميلادية . فكان هذا الاستقلال والتحرر الأول لليمن من الأحباش وتوحدت اليمن ارضا وانسانا تحت قيادة الدولة الحميرية .

ذات صلة :