جامع الأشاعر جامعة إسلامية وفن تاريخي

جامع الأشاعر جامعة إسلامية وفن تاريخي

YNP – خالد أشموري :

يقع جامع الأشاعر بالقرب من سوق مدينة زبيد التاريخية بمحافظة الحديدة، ويرجع تأسيسه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري في سنة 8هـ/ 929م

وبذلك يعد من المساجد الأولى التي أسُست في اليمن بعد دخول اليمنيين في الإسلام مباشرة، وهو من المساجد التي تحظى بمكانتها الروحية والتاريخية.

قام بتوسعة الجامع الحسين بن سلامة وتعهده سلاطين بني رسول بالعناية والتجديد، غير أن أهم الإضافات التي تمت فيه كانت في عهد بني طاهر على يد الملك المنصور عبد الوهاب بن داود سنة 891هـ الموافق 1486م وظل الجامع على وضعه الحالي حتى اليوم كما أشار إلى ذلك المؤرخ الكبير أبن الديبع في كتابه " بغية المستفيد".

أما اليوم فالجامع يشغل مساحة مستطيلة أبعادها(50.35م x 50.24م وتحتوي على صحن مكشوف مقاساته 11x5 متراً وتحيط به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة، ويمكن الدخول إليه عبر البوابة الرئيسية الواقعة في الجهة الجنوبية أو من خلال الأبواب الأخرى الموزعة على جدران الجامع والتي تفتح مباشرة على رواق القبلة.

فالجامع لديه خمسة أبواب رئيسة أهمها البوابة الرئيسة الواقعة في الجهة الجنوبية والبقية موزعة على جهات الجامع، وتفتح مباشرة على رواق القبلة وثمة ثمانية أبواب أخرى ثانوية للجامع منتشرة في جهات عدة.

ويتميز البناء الداخلي للجامع بالفخامة حيث بني من مواد محلية مثل الياجور والطين والنورة البيضاء وشيدت دعامته على شكل عقود مقوسة من الداخل.

أهم المعالم:

ويعد محراب الجامع من أهم معالمه فهو مطعم بالزخارف الإسلامية على شكل أنصاف دوائر غير منتظمة، ويعلوه عقد محمول على عمودين وداخل عموديه تاج صغير تعلوه دخلات مستديرة الشكل في أشرطة أفقية، كما تعلوه لوحة من المقرنصات ناهيك عن الزخارف الجصية في طاقيته على شكل إشعاعي وصدفي ويتوسطها زهرة، وهو غني بزخارفه الهندسية والتوريقات النباتية وغيرها.

ويشبه المحراب في طرازه المحاريب الشهيرة في بلاد المغرب العربي إذ لا يتوسط جدار القبلة كما هي طبيعة المحاريب في المساجد اليمنية ويشير البعض إلى أن السبب في ذلك يعود إلى الزيادات المتكررة على الجامع في حين أن منبره الخشبي المزخرف موضوع بداخل الجدار إلى الشرق من المحراب ويرجع تاريخه إلى القرن العاشر الهجري في عهد الوالي العثماني مصطفى باشا النشار، وهو تاريخ تشييد الكرسي الخشبي المجاور لرواق القبلة والذي خصص قديما لعلماء الدين والحديث لإلقاء دروس علوم القرآن والحديث ولا يزال قائماً حتى اليوم.

وزين جدار القبلة بالزخارف والكتابات القرآنية وأطرت الزخارف بوريقات نباتية وجميع كتابات وزخارف جدار القبلة ملونة بالألوان الأزرق والأحمر والذهبي.

أما سقف الجامع فهو مسطح عدا القباب الموزعة عليه بنسق هندسي وفني وجميع أخشابه من أشجار الطنب وجميعها مزينة بألوان مائية عديدة، كما زين أسفله بازار خشبي لم يبق منه إلا النزر اليسير.

 

المئذنة والقباب:

وتعد مئذنة الجامع الواقعة في الرواق الجنوبي المقابل لبيت الصلاة من الملامح البارزة لهذا الصرح التاريخي وتاريخ تشييدها يعود إلى العهد الأيوبي، وهي مصممة وفق طراز العمارة الإسلامية وترتكز على قاعدة مربعة يعلوها بدن مثمن تزينه أشكال معينات متكونة من تقاطع الخطوط ويعلوها قليلاً باب للدخول إليها من على سقف الجامع، وتغطى المئذنة من أعلى قبة مقرنصة وهي بذلك تشبه طراز المآذن المنتشرة في زبيد.

وللجامع حالياً 12 قبة منتشرة في الزوايا الشمالية الغربية والشمالية الشرقية، حيث مدخل الجامع إضافة إلى الجناح الغربي ، كما تنتشر العقود والدعامات الأسطوانية في أرجائه إذ يوجد 270 عقداً و 90 أسطوانة من الخشب و 140 دعامة من الياجور ويلحق بالجامع العديد من المرافق أهمها مدرسة الأشاعر الواقعة في الجهة الغربية بالإضافة إلى مكتبتين كانتا تضمان نوادر المخطوطات ، وكذلك مقصورة للنساء فضلاً عن الأربطة والمقاصير التي أنشئت لطلاب العلم الغرباء من جميع أنحاء اليمن والعالم الإسلامي.

أهم المدارس العلمية:

يشير خبراء العمارة إلى أن موقع الجامع فريد من نوعه إذ يتصل بشبكة طرق تربط معظم شوارع المدينة وممراتها وأسواقها ما جعل للجامع أهمية كبرى في اجتذاب المصلين وطلبة العلم إليه بكل سهولة ويسر.

وأسهم هذا الموقع المميز بتحويله إلى مؤسسة تعليمية دينية تخرج منها مئات الفقهاء والعلماء في شتى صنوف العلم والمعرفة ، خصوصاً  بعدما جمع أقطاب المذاهب في جنباته وصار وجهة لاتباع المذهبين الشافعي والحنفي على السواء.

وقد ظل جامع الآشاعر من أهم المدارس العلمية في منطقة زبيد بمحافظة الحديدة في تدريس علوم القرآن والقراءات والفقه وعلوم الحديث وهو الدور الذي ظل يمارسه حتى وقت قريب.

ومن أشهر فقهاء هذا الجامع: أبو العباس بن أحمد الحكمي، جمال الدين محمد بن علي الطيب.

إمام مقام الحنفية، عبدالله بن حسن المقصري، عمر بن حمد بن جمعان ، أحمد الزبيدي وشيخ الحديث عبد الرحمن بن علي الربيع.

وبذلك كان جامع الأشاعر بمثابة الجامعة الإسلامية كغيره من الجوامع والمدارس التي عمرت عبر التاريخ، فضلاً عن الأربطة والمقاصير التي أنشئت لطلاب العلم الغرباء من جميع أنحاء اليمن والعالم الإسلامي وأصبح قبلة للزهاد والعباد الصالحين الذين أموه لما له من قدسية وروحانية حتى قال فيه الشاعر:

 

إذا صليت فرضك بالاشاعر           وأكثرت الثناء عند المنابر

شممت الطيب من جنات عدن         ورب العرش كان إليك ناظر

 

ذات صلة :