شبوة بين أطماع بريطانيا ورفض صنعاء

شبوة بين أطماع بريطانيا ورفض صنعاء

ْYNP -  علي الشراعي :

تقع محافظة شبوة على ملتقي الطرق التي تربط صنعاء وحضرموت ، و كانت قديما عاصمة دولة حضرموت وبعد أن تغلبت دولة سبأ على دولة حضرموت سنة 65 م أصبحت شبوة من أهم المدن السبئية التجارية.

 

مدينة حميرية

وذكرها ياقوت الحموي بكتاب (البلدان اليمانية ) شبوة بفتح أولها وسكون ثانيها  وفتح الواو وهي  من أسماء العقرب . وشبوة بلد من اليمن وهي مدينة لحمير واحد جبلي الملح بها والثاني لأهل مأرب .

 

 قال رجل من بنى عامر بن حوشان :

 

طربت وهاجتك الحمول البواكر.

مقفية تحدى بهن الأباعر

على كل مهري رباع مخيس

له مشفر رخو وهاد عراعر

يذكر أظعانا بشبوة بعدما

علون بروجا فوقهن قناطر.

 

سبونا

وجاء في صفة جزيرة العرب للهمداني ( شبوة مدينة قديمة وقاعدة إقليم حضرموت) ورد ذكرها في المساند الدهرية وعثر في بعض انقاضها على تماثيل ورسوم وعملة ذهبية لها قيمتها التاريخية كما ذكرها في الآداب اليونانية باسم (سبونا) وفي الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم (كتب لأقيال شبوة).

 

جغرافيا

 

تقع محافظة شبوة في جنوب شرق الجمهورية اليمنية وإلى الشرق من العاصمة صنعاء وتبعد عنها  474 كيلو متر ، وتعتبر محافظة شبوة المحافظة الثالثة من حيث المساحة الجغرافية حيث تبلغ 47584 كم2.  وتتكون من 17 مديرية  مدينة عتق مركز المحافظة.وتعادل مساحة ثلاث دول عربية مجتمعة مع بعضها ( الكويت وجيبوتي والبحرين).

 

عواصم ثلاث

 

قامت على ارض شبوة ثلاث عواصم لأقدم الممالك اليمنية القديمة  في شبة الجزيرة العربية ( يهر عاصمة مملكة أوسان - شبوة القديمة عاصمة مملكة حضرموت - تمنع عاصمة مملكة قتبان).

وهي مدينة  غنية بالآثار والنقوش التاريخية وفيها آثار معبد المقة اله القمر.

وتبعد عن مدينة مأرب 80 كيلوا مترا إلى الجنوب الشرقي .

 

حصون عسكرية

ويوجد فيها الكثير من القلاع والحصون العسكرية التي شيدت خلال فترات التاريخ اليمني بأعتبارها موقعا عسكريا مهما بالنسبة لليمن ومازالت تمثل أهمية  استراتيجية وعسكرية حتى وقتنا الحاضر.

 

عمق استراتيجي

تنوعها الجغرافي ما بين سهل وصحاري وسلاسل جبلية  وساحل يكسبها أهمية استراتيجية إلى جانب اهميتها الحضارية والأقتصادية حيث يبلغ طول الشريط الساحلي لمحافظة شبوة 300 كم.

و توجد مجموعة من الجزر الصغيرة تابعة لمحافظة شبوة منها   جزيرة صُخة و جزيرة براقة و جزيرتي غضرين الكبرى و  الصغري.

 

حامية شبوة

كانت  مدينة شبوة على مر التاريخ اليمني مسرحا لأحداث سياسية وعسكرية ومحطة لأطماع الأجنبي لما تمتلكه من مميزات  عديدة وثروات اقتصادية وموقع استراتيجي . ففي سنة 1938م  كانت حامية  شبوة تابعة لقوات الإمام يحيى بصنعاء برئاسة قبيلة مراد و كانت قبيلتهما الكرب والصيعر تدينان بالطاعة والولاء للإمام يحيى .

 

تهديد انجليزي

وخلال تلك الفترة تقدمت حكومة عدن الانجليزية بالاحتجاجات شديدة اللهجة وارسلت إلى صنعاء ضابطها السياسي (المسيو سيجر) محذرا ومتوعدا ومهددا  إذ لم تأمر حكومة اليمن بسحب حاميتها من مدينة شبوة فإن بريطانيا سوف تتدخل عسكريا في شبوة .

 

تدخل عسكري

حاولت حكومة صنعاء أقناع الضابط الانجليزي بوجوب احترام المعاهدات والاتفاقيات التي ابرمتها حكومته مع حكومة صنعاء  خاصة بعد انقاقية سنة 1934م بين الإمام يحيى وحكومة بريطانيا بعدن والتي بموجبها أعترفت بريطانيا بالإمام يحيى ملك على اليمن  فطالبت صنعاء  ضرورة الرجوع إلى تحكيم العدالة والمنطق للوصول إلى الحل بين الطرفين .

لكن بريطانيا وكأسلوبها في نقض الاتفاقيات والاستقواء بالجانب العسكري أرسلت طائراتها إلى شبوة حاملة جنود وهبطت بهم في شبوة وقام الجنود بمهاجمة حامية المدينة التابعين للإمام يحيى وأسر قائد الحامية الشيخ مراد وأرسل في طائرة إلى عدن حيث بقى هناك معتقلا.

 

احتلال شبوة

لقد طمع البريطانيون بشبوة وما تملكه من الثروة الاثرية والبترولية واشتد اهتمامهم في البحث عن البترول واتصلوا بأعيان الكرب والصيعر محاولين أغرائهم بالأموال والهدايا وحينما تم رفض طلبهم صمموا على أخذ مدينة شبوة ما دام بها البترول غير مباليين بالمواثيق والعقود والبراهين التي اثبتت حكومة صنعاء في مذكراتها المبعوثة من الإمام يحيى إلى الملك جورج السادس اثر احتلال الجنود البريطانيين لشبوة .

 

احتجاج حكومة صنعاء

بعد احتلال بريطانيا لشبوة وطرد حامية المدينة بعث الإمام يحيى مذكرة احتجاج جاء فيها :

( من ملك اليمن الإمام يحيى إلى صاحب الجلالة الأمبراطور جورج السادس المعظم - لندن . بعد تقديم التحية لجلالتكم أعرض لجلالتكم تأثراتي العظيمة من إذاعات راديو لندن باللسان الرسمي الحكومي وادعائها بإن شبوة ومناطقها داخلة في الأراضي المحتلة مستندة في ذلك إلى معاهدة سنة 1934م.

وقد كنت خاطبت جلالتكم سابقا بشأن شبوة ومناطقها كلها وأنه لم يكن لأحد شأن فيها في أى وقت كان لا من قريب ولا من بعيد ....

فإن ادعاء حكومة عدن أن شبوة من المناطق المحتلة مخالف لكل ال

وقائع وعار عن كل إثبات فحكومتى مضطرة للاحتجاج ولا يمكن لليمنيين السكوت عن عمل مخالف للحق مجانب للعدالة بكل معني ..... ).

 

سيادة اليمن

موضحا في مذكرته حقيقة تاريخية وازلية لا تقبل التفاوض فيها او التنازل عن جزء منها  (... أن شبوة ومنطقتها يمانية كغيرها من المناطق المحتلة منذ خلق الله العالم إلى اليوم ، وسيادة اليمن عليها لم تنفصل يوما واحدا عن أمها اليمن ، وكل قرار غير شرعي فرده بلا شك ، ولم تتعهد اليمن لأى شخص أو دولة بأن تسلمه حقوقها وملكها )

 

تضحيات اليمنيين

مؤكدا بمذكرته (  ... ومن المعلوم أن العثمانيين وغيرهم لم يدخلوا شبوة ومنطقتها فلم يتصرفوا بشئ منها وفيها ومن المعلوم ايضا ان اجدادنا من اقاموا فيها الحصون وان اسلافنا  اقاموا في شبوة فنحن متسلسلون في شبوة وسكانها متعلقة بحكومتنا مع جملة إخوانهم آل جابر . وهل يمكن لأي يمني كان أن يرضي بتسليم أرض اجداده التي حافظوا عليها إلى اليوم بدمائهم وأرواحهم).

 

معاهدة صداقة

ويوضح  الإمام يحيى   لملك بريطانيا جورج السادس بخصوص معاهدة 1934م (.... ومعلوم لدى جلالتكم أن حكومتكم عقدت مع اليمن سنة 1934م برضائها وطلبها معاهدة الود والصداقة مع اليمن وتصرح المادة الثالثة من المعاهدة بأنه لا يجوز أن يتبدل أى حال بين عدن واليمن إلا بإتفاق وترضى الطرفين ورضاهما ).

 

الإمام في لندن

وفى تلك الاثناء زار سيف الإسلام الحسين بن الإمام يحيى لندن لحضور مؤتمر فلسطين فقام بأتصالات كبيرة مع المسؤولين الانجليز بغية  الوصول إلى حل يكفل لليمن كرامتها ويجنبها الاصطدام مع بريطانيا .

 

اخلاء مدينة شبوة

وكان في ذلك الوقت تقرع طبول الحرب العالمية الثانية والاجواء الدولية عامة والاوروبية خاصة ملبدة بالغيوم سياسيا وعسكريا مما جعل بريطانيا تتراجع بعض الشئ واثمرت تلك الجهود كلها بالاتفاق على إخلاء ومنطقة شبوة من الجانبين اليمن والانجليز  وأن تكون منطقة غير ذات إدارة حكومية.

 

شركات التنقيب

وما كادت الحرب العالمية الثانية  تنتهي حتى نشط البريطانيون في سنة 1945م نحو شبوة نشاطا كبيرا فشقوا إليها طريق السيارات وأرسلوا الخبراء للتنقيب غير مكتثرين بالأتفاقيات ولا بالقوانين الدولية ، كما منحت إحدى الشركات البريطانية  امتيازا للتنقيب عن البترول على أن يكون للأمارة التى سيخرج منها البترول 35% ومثلها لمجلس اتحاد السلاطين والبقية لحكومة عدن.

 

رفض شعبي

وقد كان هذا التصرف من قبل بريطانيا مثارا استنكار لبعض أهل الجنوب ومنهم سلطات الكثيري الذي وجد البترول في مقاطعته فأحتج على الحكومة احتجاجا شديدا وأيده المؤتمر الوطني في عدن بعدم اعترافه بالأتفاقيات والأمتيازات التي تعقد بين بريطانيا وأمراء الجنوب وأعلن أن البترول حيثما وجد في مناطق الجنوب فإنه ملك الشعب وليس لأحد حق في التصرف دون رضا الشعب وموافقه ، هذا إلى جانب احتجاجات الحكومة بصنعاء المستمرة في سبيل استرجاع المنطقة وتحريرها من قوات الأحتلال البريطاني.

ذات صلة :