أعجوبة المقابر الصخرية في اليمن

أعجوبة المقابر الصخرية في اليمن

YNP -  علي الشراعي :

تنوع الآثار اليمنية القديمة وشواهدها المتعددة تجسد الرقي الحضاري التي شهدته اليمن قديما ومن خلال تلك الآثار استطاع  المهتمين بتاريخ اليمن عبر العصور الموغلة في القدم معرفة السبق الحضاري والمعتقد الديني للإنسان اليمني .

  فالشواهد القبورية وما احتوته كانت شاهد حيا تؤكد ان اليمنيين هم اول من امنوا بوجود حياة اخري بعد الممات ( الخلود )  فالمقابر الصخرية والتي وجدت منتشرة في اغلب مناطق اليمن وحتي خارج حدودها السياسية بوقتنا الحاضر تثبت حقيقة اخري  أن اليمن كانت صاحبه الشأن الحضاري والسياسي والعسكري في الجزيرة العربية بصفة عامة.

مواد تحنيط

وقد أطلق عليها اسم المقابر الصخرية لأنها حفرت في باطن الصخر لكي يوضع فيها المتوفي ومعه الأثاث الجنائزي وقد عثر في بعضها على بقايا مواد تحنيط ولفائف كتانية وجلدية . وتتميز المقابر الصخرية بشكل عام بأنها ذات مداخل واسعة غير منتظمة باستثناء بعض المداخل المستطيلة يتسع داخل المقبرة لمساحة تصل 2-5 أمتار يظهر على مسطحاتها  الداخلية آثار النقر ودخلات جانبية على شكل أسرة متطابقة مستطيلة الشكل سواء في مقابر شبام  الغراس وما يشابهها  في مقابر حريضة  عند الطرف الشرقي لوادي عمد . وبعض المقابر الصخرية فتحاتها قريبة من السطح لها أرضية منخفضة ونقر في مواضع من السطح الداخلي أماكن وضع  الدفنات  وعند البوابات احواض منقورة  على جانبي  المدخل مقضضة ويندر الكتابة بخط المستند داخل المقبرة  لتدل على اسم صاحبها  او أن يكتب على أعلى المدخل.

مدينة الموتى

توجد المقابر الصخرية في مناطق أثرية كثيرة في اليمن منها في وادي ظهر وكان الهمداني  في كتابه (الإكليل الجزء الثامن)  قد وصف بعضها فيها من البيوت المنحوتة في الصخر . وفي محافظة شبوة وجدت مقابر صخرية وصفت بأنها مدينة الموتى والواقعة على تلة في الشمال الشرقي للمدينة , والتي يظهر من طريقة إغلاق القبور منها تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد . وفي هجر ابن الحميد( تمنع قديما ) كشف عن قبور نحتت في الصخور , فضلا عن وجودها في شبام كوكبان وفي ظفار وفي السواء والحداء وعنس وذيحان وناعط وبيت الأحرق ومناطق أخرى . ويمكن اعتبار أهم المقابر الصخرية في شبام الغراس منها مقبرتان عثر فيهما على المومياءات عام 1983م  . وتقع المقبرتان على المنحدر بجبل مصلح وهما متجاورتان ولهما مدخلان بشكل منتظم .

ومن المقابر الصخرية ما نقرت في أماكن عالية في الجبال و يصعب الارتقاء إليها وهي ذات بوابات صغيرة مستطيلة  تؤدي في الداخل إلى ساحة وغرف جانبية  ففي المنحدر الشمالي لجبل ذي مرمر (أربع مقابر متجاورة ) وفي الجهة الغربية (ثلاث مقابر ) يحتمل أن تكون من المقابر المهمة يماثلها مقابر في وادي ظهر وجميعها فارغة  المحتوي , كما هو الحال في معظم المقابر الصخرية .

البعد الحضاري

وقد وصف الهمداني ضمن ما يذكره عن القبوريات  بقوله : إن دولة حمير استثارت مدفنا لملوكها بحضرموت كانوا يدفنون في نقر رخام  وفيها رفوف نضدت تنضيدا  , ومثلها ما وجد في مدائن صالح  شمال  منطقة (العلا ) شمال السعودية -  مما يدل على إن الدول اليمنية القديمة كانت ذات حضارة وبسطت نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي على الجزيرة العربية بشكل عام  -  وتلك المقابر ذات دخلات مستطيلة متراصة , كما تظهر عليها آثار النقر على سطحها .

 

مجوهرات وأثاث المدافن

وجد بالعديد من مقابر الملوك  العديد من الأسلحة الكثير ومن آلات الحرب وجواهر من الذهب والفضة .ومن الحلي والمجوهرات من معثورات  قبورية  ما وجد في موقع الحصمة  بمنطقة شقرة بمحافظة أبين حيث يضم الموقع العديد من القبور القديمة تعود فترات القبور إلى مابين القرن الأول إلى الثالث الميلادي. وهناك عدة انواع من الأثاث الجنائزي يختلف من قبر لأخر قد يشير إلى الحالة والمكانة الاجتماعية والاقتصادية للميت , واعطت المعثورات معلومات كثيرة للتعرف على الفترة التاريخية والوضع الاقتصادي والاجتماعي وما توصل اليه الإنسان في تلك الفترة من رقي حضاري وفني وتقنية عالية بمعيار ذلك الزمن .

 

حياة الخلود

 

كان يتم دفن المتوفي  مع حليه وسلاحه وملابسه وكذا مع الأواني المتنوعة مما يدل على الإيمان بحياة البعث والخلود . فقد كان يعتقد انها من أهم الأشياء التي ستفيد المتوفي في أثناء انتقاله إلى الحياة الأبدية (الجديدة ) وقد دلت مجموعة اللقى والمعثورات  على الحالة الاقتصادية المنتعشة في المنطقة وذلك من خلال مكوناتها وموادها المختلفة كالفخار والمعادن والحلي من جواهر واحجار كريمة وخرز زجاجية واساور معدنية وخشبية . ويدل وضعها في المدافن على أنها قد وضعت بدرجة كبيرة من العناية وترتيبها مع مواد اخري في نسق منظم يدل على طقوس معينة كوضع انية وبجوارها خنجر وبجوار الخنجر صدفة بحرية أو وضع جرة مع الأكواب على فوهتها ويحف بهما صحون صغيرة .

زينة المرأة

ومجموعة الحلي التي تم العثور عليها مع المتوفي أغلبها زينة للمرأة ( زينة الراس , الأقراط والتي جاءت بأشكال متعددة ومصنوعة من الذهب ومن البرونز والفضة المطليان بالذهب ,و زينة الصدر عقد أو قلادة  من المشغولات الذهبية والأحجار الكريمة وشبة الكريمة كانت تزين اعناق الإناث جاءت متنوعة الأشكال والأنواع وتتسم بطابع الأناقة والدقة في الصنع . وايضا من الزينة زينة اليد الخواتم جاءت على انواع متعددة ووجدت نماذج مصنوعة من الذهب والبرونز وهذه الخواتم تمتاز بزخارف هندسية على أطار الخاتم عبارة من ضفائر مجدولة وعلى كل خاتم من أعلى شكل زهرة تحتضن فصا من الأحجار الكريمة .أما الدبل (الحلق ) قد صنعت من مادة البرونز وكانت تزين أصابع اليد ومنها اثنتان تزين أصابع الأقدام .

وزينة الساق ( حجل )خلخال  عبارة عن سوار يلبس في الساق عثر على قطع من البرونز كانت توضع على الأرجل وعلى بعضها بقايا نسيج قماشي وزينب أصابع الأقدام بحلق من البرونز .

تمثال مريم

تحتل مقبرة تمنع الواقعة على مساحة كيلو متر مربع شمال المدينة (المنحدرات الغربية والجنوبية لحيد بن عقيل وتتواجد هذه المرتفعات الوعرة على الجانب الغربي من وادي  بيحان عند مدخل صحراء صيهد الربع الخالي ) لقد قامت بالتنقيب في المقبرة  بين عامي 1951- 1952م المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان بإشراف ( ويندل فيلبس) ولقد استخرجت البعثة العديد من القبور ومجموعة معبد ضخم وكانت كل المدافن التي تم التنقيب فيها قد نبشت في الماضي .

قامت البعثة بدراسة تسعة عشر ضريحا جنائزيا عام 1950م  . واكتشفت عدة اضرحة سواها  في عام 1951م . كانت هذه الأضرحة على الأرجح مدافن عائلية أو قبلية كل منها يشتمل على 24ضريح . وكان أول آثار يمكن تحديد تاريخها تعود إلى القرن السابع والقرن السادس قبل الميلاد . وقد قدمت مقبرة تمنع بعض أجمل القطع الفنية اليمنية القديمة ومنها التمثال النصفي  المسمى (مريم ) والعديد من المنحوتات القبورية وكذلك عدد من المباخر . وأهم ما تم اكتشافه طوق من الذهب  يعود إلى منتصف القرن الأول الميلادي ويشهد هذا الطوق الذي عثر عليه في عام 1951م  على التقنية العالية التي وصلت إليها المجوهرات اليمنية فالذهب مشغول بالتطريق ومحزوز  ومزخرف بالحبيبات وقد أمكن انجاز هذه التقنية شديدة التعقيد بواسطة مذيب من العنبر وتذكر المثلثات الصغيرة بالفن النبطي .

مقبرة شعوب

في خريف 1999م وأثناء أعمال الحفر لبناء أحد المساكن في حي شعوب بصنعاء كشف عن العديد من القبور المبنية من الحجر تحت الأرض كان المتاع المدفون مع الموتى في مقبرة شعوب ضئيلة .  فبالنسبة للقبور الحجرية لم تظهر لقى إلا في أربعة قبور فقط . وفي أحد القبور لوحظ وجود عناصر زينة تقليدية وغابت الأسلحة , وغالبا ما لوحظ وجود آنية من الفخار وضعت بالقرب من رأس الميت  والبعض من تلك الأواني الفخارية ناعمة السطح  ومزدانة بالنقوش وتحمل إحدى الأواني نقشا للاسم المتوفي. واكثر القبور ثراء بالأمتعة كان لطفلة فقد وجد في مفصل يدها اليمني سوار برونزي صغير مكسور إلى جزأين وفي الرقبة والصدر شارتان فضيتان وأشياء أخري مثل ميدالية من الفضة ودرر من الذهب وزجاج وحجر جيري وعقيق احمر إلى جانب اناءين صغيرين من الرخام واشيا ء اخري .وبالقرب من الموضع الأساسي في منطقة الحوض وجدت تميمة من صفيحة الذهب على شكل هلال محفور فيه نقش مكون من سطرين (حماية وسيط الوحي لبعلات ).

وحدة الأرض والإنسان والدين

كان للمقابر الصخرية وما احتوته من لقي أثرية دليل مادي على الرقي الحضاري  الذي كان نتاج دولة موحدة بسطت سيطرتها سياسيا وعسكريا على اليمن كاملا وامتدت تلك السيطرة لتشمل كل مناطق الجزيرة العربية .

فوجود المقابر الصخرية وانتشارها  في العديد من مناطق اليمن وخارج حدودها  وعلى فترات زمنية اقدمها القرن السابع قبل الميلاد وحتي القرون بعد الميلاد وما يوجد مطمور تحت  الأرض اكثر مما اكتشف , كل هذا يدل على أن اليمن هي من شكلت نظام موحد في الجزيرة العربية عامة تحت قيادة مركزية وفرضت وجودها سياسيا وعسكريا واقتصاديا بل واوجدت معتقد دينيا وهو الإيمان بأن هناك حياة اخري بعد الممات(الخلود) فلم يكتفي الإنسان اليمني بتوحيد الجزيرة العربية بل أوجد معتقد ديني سبق غيره من الحضارات التي كانت تحرق الموتى .

ذات صلة :