الدان الحضرمي .. اصالة الفن و ثراء الابداع   

الدان الحضرمي .. اصالة الفن و ثراء الابداع   

YNP – خالد أشموري  :

الدان الحضرمي نغم ولحن له أصوله وجذوره وتفعيلته منطلقاً من الدندنة والهمهمة والنغم ثم التأليف للنغمات ثم الكلمة التي يقولها الشاعر وهو مقيد بالنغم المؤلف كتقييد العروض للشعراء بالوزن والقافية،

ويشير كاتب المادة ليلى عوض.. إلى أن دون الغناء يأتي وقد حدد اللحن المؤلف وليس الشعر والكلمة هذا ما ذكره الباحث القدير رحمه الله الأستاذ الصبان في البحث والدراسة عن الدان الحضرمي حيث يؤكد دور الغناء وقد حدد اللحن المؤلف وليس الشعر والكلمة، وأمام هذا المنطلق يرى الصبان أن الدان فن حضرمي عربي أصيل قديم، فإذا كان الشعر العربي في قوالبه العروضية بدأ بالغناء الذي أتى من الحداء والرجز ثم الغناء الذي يقترن عندهم بذكر أدوات موسيقية مختلفة كالمزهر والدف ويبدو أن الآلة الفارسية قد عرفت عند العرب، يقول إسحاق الموصلي : " غناء العرب قديماً قد جاء على ثلاثة أوجه : " النصب " ، " السناد" ، " الهرج" فأ/ا النصب فغناء الركبان: وهو الذي يستعمل في المرافئ وكله يخرج من أصل طويل في العروض، وأما السناد فالثقيل ذو التراجيع الكثير النغمت، وأما الهزج: فالخفيف الذي يرقص عليه ويمشي بالدف والمزمار فيطرب ويستخف الحليم، هكذا كان غناء العرب قديماً حتى جاء الإسلام وفتحت العراق وجلب الغناء والرقيق من فارس والروم وتغنوا الغناء المجزأ والمؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعاً وبالطناطير والمعازف المزامير والدف والناي والرباب والقانون التي أخترعها الفارابي المتوفي عام 950م.

فالدان إلى الآن كفن له قيمته لم تدخل عليه الآلة إلا مؤخراً ولم تكن من سماته مما يعطي الدليل الواضح عليه قدمه وأصالته، والآن طوعن بعض الحانه ، فإن التطويع لا يكون إلا بعد بروز اللحن لفن متعارف عليه " الدان".

ويبدأت فصل الدان أو الفصل بلفظه ذا خرج فصل أو ذا فصل وقد يبدأ بلفظة " بديت" ولفضة ذات خرج فصل ، تقابل بلفظة أما بعد في الخطابة وعندما يسمى الشعراء في النظم على الفصل ويرون أن القافية استوفت الآلفاظ، يطلبون مرى أخرى أن يقول أحدهم فصلاً .. ذا خرج فصل يكفي ما لفته الهوية ,وأهلها حبوا إذ كل تاجر جنبوا يوم شأفونا كياسي خلية.

ليه يا قلب تتافضل وتعشق يوم قل العطاء.

بغضوا صباحك وممساك.

لكن الدان لم يحدد له زمن لا أبتداء ولا كيفية وقد بدأ من ثنائية ويمكن أن نقول إنه قديم وإن التواتر والتراسل الزمني فير المحدد يعطي تقويته لذلك القول .. والمتتبع لبداء الشعر الحميني في قوالبه المقيدة غالباً .. بأوزان الخليل والتي هي لم تتقيد بدائرة النحاة والعوامل اللفظية وجعلت والتسكين إطاراً ، لتلك القوالب ، ونرى أن الشعر الحميني في اليمن موجود وقديم وأن لحمير شعراء متقدمون..

ويذكر كتاب الطرائف المختار أن الشعر الحميني بدأ في القرن الثالث الهجري بدليل ظهوره بالتحديد من الأندلس كما يذكر الهمداني في صفة الجزيرة شعراً ملحوناً، ويعرج ياقوت عند ذكره لغيل البرمكي بصنعاء على قول الشاعر:

واعويلاه إذا غاب الحبيب                   عن حبيبه إلى من يشتكي

ويرى أحمد حسين شرف الدين أصل الموضح الأندلسي هو من اليمن وحظى بنوبة زرياب وتلحين أبن ماجه في القرن الخامس والسادس ثم عاد إلى اليمن من رحلته الطويلة وأول من اشتهر في ميدانه باليمن محمد أحمد بن فليته عام 721هـ وله ديوان شعر بمكتبة صنعاء تحت " رقم 35 أدب " والمزاح بن عبدالله المزاح وغيرهم في القرن العاشر ومحمد بن عبدالله بن شرف الدين عام 912هـ.

فإذا كان أصل الموضح الأندلسي هو من اليمن فإن فن الدان بحضرموت قديم قد يكون ما قبل القرن الثالث الهجري، فإن ترابط الموشحات وفن الدان متفق اتفاقاً جذرياً، فالتفعيلة في الفنين ضرورية الوجود، والترابط والالتزام موجود والخروج عن قيد سبويه والكسائي موجود والخروج عن أبحر الشعر موجود يقول ابن حماد:

بدر تم شمس ضحا         غصن نقا مسك شم

ما اتم ما أوضحا           ما أورقا ما أتم

لا جرم من لمحا            قد عشقا قد حرم

ويقول الأعملى العيطلي:

ضاحك عن جمان          سافر عن درر

ضاق عنه الزمان          وحواه صدري

ويقول أبن بقي:

أما ترى أحمد               في مجده العالي لا يلحق

أطلعه الغرب               نا ونا مثله يا مشرق

ويقول حاتم بن سعيد:

شمس قاريت بدر           راح ونديم

ويقول أبو بكر الأبيض:

ما لذ لي شرب راح        لولاه هضيم الوشاح إذ اساقي الصباح

أو في الأصيل أضحى يقول ما للشملول ، لطمت خدي

وللشمالي هبت فمالي غصن اعتدال ضمه بردي.

لذى فشعراء اليمن نهجوا الموشحات سواء بالشعر المرتبط بالعوامل اللفظية ودائرة الإعراب أو بالشعر غير المرتبط، وعبدالصمد باكثير شاعر القرن العاشر الهجري وهكذا فالقصيدة كلها على ستة عشر غصناً.

لذا فعبد الصمد باكثير أجاد في الشعر الغنائي سواء كان مريعاً او ثلاثياً أو سداسياً وإذا كان عصره لم يبث الصوت مسجلاً فإنه قوله:

يا فائق الملاح.. ياخشف يا رداح.. يا مائس القد الرشيق

عشقي ظهر دباح... وليس من جناح.. قلبي حمل لا يطيق

خمر الهوى مباح... يسكر يغير راح... فسل همك بالرحيق

 أو قوله:

نومي عال... من هجر قمر أم علالي

صبري طال ... وبين البين بالي

دمي سال .. وخاطري غير سالي

خلي صال .. لحظة علي بالثبال

تلك الألحان تغنى في القرن العاشر الهجري ولها خمسة قرون لا تبعد تفعيلتها عن تفعيلة الدان الحضرمي في القرن الخامس عشر.

ذات صلة :