التدخل الحبشي في اليمن خلال ستة قرون

التدخل الحبشي في اليمن خلال ستة قرون

YNP – خالد أشموري :

تنوعت صور التدخل الحبشي ما بين النفوذ السياسي وصولاً إلى محاولات الغزو العسكري والاحتلال فقد أدت الخلافات بين القوى اليمنية " سبأ همدان – ريدان حمير – حضرموت " إلى تدخل الأحباش الذين كانوا قد تمكنوا من تأسيس مملكة قوية " أكسوم" وذلك التدخل كان خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين

ووصل إلى مرحلة تدخل عسكري وصدامات حربية ثم احتلال وذلك من النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي حتى النصف الثاني من القرن الرابع، وفي البداية تدخلت أكسوم لصالح تحالف سبأ وحضرموت ضد الريدانيين الحميريين وحصلت بموجب هذا التحالف على ضوء أخضر بالتواجد العسكري لقواتها من ينبع شمالاً حتى باب المندب جنوباً " أي في الساحل الغربي " إلا أن أطماع الأحباش لم تتوقف عند هذا الحد فقد استفادت أكسوم  خلافات اليمنيين وعملت على تغيير تحالفاتها، فها هي في فترة لا حقة تتحالف مع الحميريين الريدانيين ضد السبئيين وتشن حملات عسكرية على المناطق الداخلية ويذكر التاريخ أن القوى اليمنية توحدت في فترات مختلفة لمواجهة الغزاة منها ما قدمته سبأ من مساعدة لحمير للتصدي لإحدى الحملات العسكرية التي استهدفت العاصمة ظفار وظل النفوذ الحبشي والتواجد العسكري لهم في المناطق الغربية سيما القريبة من باب المندب إضافة إلى تهامة ومع محاولتهم التوغل أكثر تصدت المقاومة اليمنية لذلك التوغل وشهدت تلك الفترة معارك عنيفة منها في منطقة نجران وأخرى في ظفار ووادي سهام وباب المندب والمخا وأدت إلى أنسحاب الأحباش وعودتهم إلى المناطق الساحلية مرة أخرى، بمعنى أن الأحباش لم يتمكنوا رغم محاولاتهم من التوسع في المناطق الداخلية وظلوا لعشرات السنين في الساحل الغربي حتى أنهم لم يتمكنوا من السيطرة على عدن وقد تحررت اليمن من الغزاة الأحباش بشكل نهائي في القرن الرابع الميلادي وبهذا تنتهي المرحلة الأولى من الاحتلال الحبشي ، لتبدأ  المرحلة الثانية في مطلع القرن السادس الميلادي بعودة الأحباش مجدداً بقوات عسكرية كبيرة وتصدى لهم هذه المرة الملك الحميري يوسف أسأر يثار في الربع الأول من ذلك القرن ولكنهم دفعوا بقوات ضخمة في العام 525م ليتمكنوا بعدها من احتلال اليمن لفترة استمرت أربعة عقود كما سنتابع ولم يتمكن الأحباش خلال فترة احتلالهم من الاستقرار إذ سرعان ما أدت ممارساتهم إلى اشتعال الثورات ضدهم ,وإذا ما تحدثنا بايجاز عن ماهية التواجد الحبشي في اليمن خلال القرون الأولى للميلاد فمن الضرورة التطرق إلى العلاقة بين اليمن والحبشة سيما وهناك من الباحثين من يذهب إلى التأكيد بأن التدخل الحبشي في اليمن لم يكن احتلالاً أو لا يمكن أن نصفه بالغزو والاحتلال نتيجة العلاقة المشتركة بين اليمن والحبشة وهي العلاقة التي تؤكدها الأصول اليمنية للأحباش والنفوذ والهيمنة الثقافية والتجارية لليمنيين نتيجة هجراتهم إلى الحبشة حتى أن البعض يشير إلى أن مملكة أكسوم يمنية التأسيس والتطور.

لكن تلك ليست مبررات تدفعنا إلى التسليم بوجود قوة أجنبية على الأرض اليمنية بحجة أصولها اليمنية أو أدعاء قادتها أنهم إنما عادوا إلى أرضهم وما يؤيد ما نذهب إليه حقائق تاريخية وأسباب موضوعية نجملها فيما يلي.

أولاً: تعامل اليمنيون مع الأحباش على أنهم قوة محتلة وهذا مالا يمكن إنكاره أو إثبات عكسه سيما في مرحلة الاحتلال الثاني  والتي شهدت وقائع وأحداث ومواقف تؤكد أن اليمن كانت تحت الاحتلال الأ<نبي ويكفي أن نحكم هنا على أفعال الأحباش وقادتهم وليس على أقوالهم ، فالغازي لا يعدم الوسيلة والحيلة لتبرير غزوة وسيطرته ومن تلك الحيل أدعاء اليمنية ، ثم إن مقاومة اليمنيين للأحباش وجرائم الأحباش بحق اليمنيين لا يمارسها إلا محتل ولا يتخذها إلا غازة ومستعمر وهذا ثانياً أما ثالثاً فإن تبعية مملكة أكسوم للرومان يسقط كل أدعاءات تحاول شرعنة التواجد الحبشي في اليمن فقد كان هذا التواجد رومانياً بأدوات حبشية وكانت السيطرة على اليمن حلماً رومانياً قديماً حققته مملكة أكسوم ولأغراض سياسية واقتصادية وفيما بعد دينية .

وخامساً أنه ومع التسليم بالعلاقة المشتركة مع الحبشة وتقارب الثقافات بل ويمكن حتى الأصول في الأنساب إلا أن الكيانات السياسية عندما تصبح واقعاً على رقعة جغرافية لا يمكن لها أن تقبل بقوات عسكرية تابعة لكيان سياسي آخر أن تدخل أراضيها أو تحتل جزءاً منها وإذا ما سلمنا بهذا فسنكون قد نسفنا المفاهيم السياسية للكيانات الدولية أو أعضاء المجتمع الدولي وقلبنا تلك المفاهيم رأساً على عقب.

وإذا ما افترضنا صحة ادعاءات الأكسوميين بأصولهم اليمنية ومن هذا المنطلق فإن تواجدهم في اليمن عسكرياً ليس احتلالاً بل عودة طبيعية للوطن الأم الذي امتد يوماً وبفعل الهجرات إلى أثيوبيا ، فمن هذه الفرضية يمكن التسليم أيضاً بوجود المصري أو السوري أو العراقي أو حتى السعودي عسكرياً في اليمن على اعتبار أن غالبية العرب أصولهم يمنية وبإمكانهم العودة ضمن تشكيلات عسكرية وضمن هوية سياسية في إطار مشروع سياسي لكيان خارج اليمن من أجل السيطرة على اليمن أو ضمه أو إلحاقه وهذا سادساً ، أما سابعاً فقد وردت في مؤلفات مؤرخين يمنيين ممن لا يؤيدون إضفاء طابع الاحتلال والغزو على فترة تواجد الأحباش في اليمن ما يؤكد مقاومة اليمنيين للقوات الحبشية الأمر الذي يشير إلى أن هذا التواجد لم يكن مرغوباً فيه من قبل اليمنيين أي أننا بصدد احتلال وغزو دفع اليمنيين إلى المقاومة والتصدي وسنورد في هذا البحث معارك اليمنيين ضد الأحباش بحسب ما ورد في النقوش اليمنية القديمة والتي تؤكد أن المقاومة اليمنية بدأت منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها أكسوم التدخل العسكري في اليمن.

  • المصدر: تاريخ اليمن مقبرة الغزاة للباحث عبدالله بن عامر/ الجزء الأول

ذات صلة :