تحركات السلام في اليمن .. بين الجدية والمناورة !

تحركات السلام في اليمن .. بين الجدية والمناورة !

YNP -  قيس الوازعي :

الحراك الدبلوماسي النشط، الدَّائرة فعاليَّاته، منذ أسابيع، بين واشنطن والرياض وطهران والدَّوحة، بدفع من إدارة(بايدن)، قد يُثمر حلَّا سلميَّا لقضية الملف النووي الإيراني، الذي تتعمد بعض أطرافه تعقيده، عنوة، لغايات ومطامع يعرفها المتابعون جيدًا، وبحياديَّة، لهذه القضية، منذ بدايات نشأتها.

 وتكليف المبعوث الأممي إلى اليمن ـ السيٍّد غريفيث بزيارة طهران بداية موفقة، ذكيَّة، تعكس فهمًا عميقًا للصِّلة القائمة بين الملف الإيراني وبين الفتنة الدائرة أحداثها صراعًا مسلَّحًا مؤسفًا في اليمن منذ ست سنوات.

 

فالمبعوث غريفيث من أكثر الدبلوماسيين الغربيين إلمامًا بتفاصيل القضية اليمنية، بحكم اطلاعه وتواصله المستمر، منذ سنوات، بأطرافها من اليمنيين، وبغير اليمنيين، ممن يقفون خلف كل طرف منهم من الجهات الخارجية.

ولقد كان عليه، دون غيره، الاعتماد في التعرف على المزيد من وجهات نظر المسؤولين السعوديين والإيرانيين حول القضيَّة، والحصول على تصورات كلٍّ منهما لإمكانية الحل.

لا بد من أن زيارة غريفيث لطهران ومباحثاته مع القادة الإيرانيين أوصلته إلى خلاصة ما، كان ينتظرها المبعوث الأمريكي إلى اليمن( ليندر كينج)، الذي التقاه في الرياض، فور عودته من طهران.

 

بعد لقاء المبعوثيْن، كان عليهما مقابلة ولي العهد السعودي ـ الأمير محمد بن سلمان، لاستكمال المهمَّة، ومن ثم الالتقاء بأحد طرفي المشكلة المباشرين، الرئيس عبد ربه منصور هادي،  لإطلاعه على محتوى ملف الزيارات واللِّقاءت السابقة، ومعرفة وجهة نظره حول حل القضية.

 

هذه المقابلات المتتالية، مع أهم وأبرز الأطراف السياسية، لا بد أن تكون قد كوَّنت تصوُّرًا كاملًا وشاملًا للحل السلمي للقضية اليمنية، بغض النظر عن التصعيد العسكري الجاري، على جبهات مارب وعلى خط المواجهات مع السعودية.

 

بقي أن تُعطى قضية الملف النووي الإيراني مزيدًا من المحاولات لكسر حاجز تعنُّت طرفيه، وتجمُّد موقفيهما عند فكرة ساذجة، لاترتقي بهما إلى مستوى المسؤولية السياسية والتأريخية، وهي فكرة( من الذي يجب عليه أن يبدأ بتقديم تنازلاته) ؛ إيران، فتتراجع عن تجاوزاتها لبعض البنود، وشروعها في تخصيب اليورانيوم بنسبٍ مرتفة، محظورة، تهدد بإنتاج المعدن المشع وبالكميات اللازمة لصناعة السلاح النووي.. أم أمريكا، فتستجيب للمطالب الإيرانية

بإعادة النظر في العقوبات، التي فُرضت عليها في عهد الرئيس السابق ترامب، بحجة أن الأمريكيين هم من بدأوا بالانسحاب من الاتفاق.

 

لأجل ذلك كلِّه كان لابد من اختيار الدبلوماسية القطرية الموثوقة لدى طرفي الملف والمشهود لها بالكفاءة، لتبدأ مهمتها الصَّعبة من طهران، ومن طهران أيضًا، مرّة أخرى!

 

في بداية الأسبوع الجاري زار وزير الخارجية القطري ـ الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إيران والتقى وزير خارجيتها( ظريف) أولًا،ثم التقى رئيس الجمهورية ـ السيِّد حسن روحاني.

لم يصرِّح الوزير القطري بأهداف زيارته، من قبل، لكنه قال عقب لقاءاته بالقادة الإيرانيين إن زيارته تهدف إلى بحث القضايا ذات الاهتمام المشرك، وسبل تطوير التعاون المشترك بين البلدين.

 وهذا ماتعودنا على سماعه من معظم الدبلوماسيبن..، لكن الأهم من ذلك قوله إن مباحثاته تطرَّقت إلى خفض التوتر في المنطقة، بعد التطورات الأخيرة، وإلى تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران.

 

تصريحات وزيري الخارجية القطري والإيراني، وحتى تصريحات الرئيس الإيراني، بدت غير منسجمة مع بعضها حول الملف النووي وإمكانية والتوصل إلى حل قريب. وهذا هو المعتاد والمتوقع من الإيرانيين، دائمًا.

 

فإيران عازمة، وبإصرار، على امتلاك السلاح النووي، مهما كان الثمن، إسوة بجارتها باكستان، فضلًا عن حاجتها لسلاح ردع نووي يقيها نزعات الجوار المعادي، الذي صنعته السياسة الإيرانية المذهبية طيلة أربعين عامًا من الخصومة.

هذا هو العصب الحساس الذي ظل ترامب يضغط عليه، فيؤذي النظام الإيراني بشدة. فأن يضاف شرط إلى الملف النووي يُحرِّم على إيران مواصلة التدخلات في شؤون دول الجوار، يعني التخلي عن أهم وأخطر أهداف الثورة الخمينية!

 

ففي حين نوَّه الوزير القطري إلى سعي بلاده إلى خفض التوتر وتقريب وجهات النظر..جاءت تصريحات ظريف وروحاني تعرب عن استعداد إيران لتطوير علاقات التعاون مع قطر، من دون إبداء مايبشر بتقديم تنازلات في الملف النووي!

 

من عيوب الإدارات الديمقراطية الأمريكية ميلها الحاد إلى السلمية المفرطة، التي يجوز وصفها بالترهل والميوعة، وتجنبها، ولو حتى تلميحًا، لسياسة العصا والجزرة التي تعتمدها الإدارات الجمهورية لإرغام الأنظمة السياسية المتحدية على الامتثال لقائدة العالم (أمريكا)!

الذي يحتل مركز القيادة، يحتاج إلى فرض هيبته، بطرقه المناسبة، لكي يحترمه الآخرون، وإلَّا فإن قيادته ستصبح عرضة للفشل!

هذا العيب الديمقراطي نفسه، الذي يصاحب إدارة بايدن، وإن حاولت أن تبدو حازمة، من حين لآخر، قد يكلِّفها 

الكثير من التنازلات، وأخطرها التنازلات على حساب الآخرين، أمام الخصوم المتعنتين المغامرين، الذين لايعيرون كثير اهتمام بأمن واستقرار وتقدُّم شعوبهم، في مقابل نزعاتهم العدوانية وولعهم بالتحدِّي، في كل حال!

 

هذه الإدارة الديمقراطية المتهورة في سلميتها، حد المبالغة، ربما تفعل ذلك من باب العناد الفج لإدارة ترامب السابقة، التي انتهت إلى خصومة، معلنة بين الحزبين الكبيرين، قد تُعقِّد، من حيث لاتحتسب، طرق التوصل إلى حلول سريعة، عادلة ومنصفة لقضيتي الملفين الإيراني (النووي) والسلمي اليمني!

 

عناد هذه الإدارة الجديدة للحزب الجمهوري ومخالفتها الصارخة لبعض سياسات الرئيس اليميني المتطرف ترامب، طبعًا فيما لايضر بالمصالح الأمريكية، قد يُساء فهمه، فتنتج عنه مواقف كارثية حول العالم!

 

فصراخها المبالغ فيه حول رفع اسم جماعة أنصار الله من قائمة الجماعات الإرهابية، ليس له مايبرره،  ومثله إعلانها وقف الدعم للتحالف العربي في حربه ضد اليمن. وقد كان بإمكانها فعل ذلك من دون ضجيج، على الرغم من أن الإبقاء مثل عدمه. فالنتيجة في الحالتين سيَّان! إلَّا أن هذا الضجيج تسبب بسوء فهم لدى عدد من الأطراف، فنجم عنه تصعيد عسكري غير مسبوق، أدى إلى مقتل المئات وربما الآلاف من اليمنيين خلال أسبوعين فقط! 

 

فمثلما رأى أنصار الله ـ مثلًا ـ في إجراءات إدارة بايدن هذه إضعافًا وإرباكًا للتحالف ولقوات الشرعية، يجب عليهم استغلاله إلى أقصى الحدود الممكنة، رأى التحالف وقوات الشرعية، في المقابل، أن عليهما إثبات عدم التأثر بها، وبات عليهما تأكيد ذلك بإظهار أقصى درجة من الصمود والتصدي وعدم الاكتراث!

 

والطيران السعودي، الذي قد يُحرم، فعلًا، من القنابل الذكية الأمريكية، قد لاتخلو مخازنه من تلك القنابل، وقد يحصل على المزيد منها، بطريقة أو بأخرى، ليواصل استعمالها الخاطئ الغبي، الذي ألحق باليمن واليمنيين الكثير من القتل والدمار.

أمَّا إذا اضطر ولجأ إلى استخدام القنابل غير الذكية(الغبية)، وهو كأي نظام عربي قاسٍ لايردعه رادع من ضمير، فقد يضيف إلى غباء وقلة خبرة طياريه مزيدًا من الغباء فيتسبب بأضعاف جرائمه السابقة، من دون أن يرف له جفن ومن دون أن يحاسبه أحد!  

 

الحراك الدبلوماسي، الذي تحدثنا عنه، لم يصدر عنه جديد، بعد زيارة وزير الخارجية القطري لإيران.

وكل الذي نسمعه مجرد تخمينات تحليلية وإعلامية قد تصيب وقد تخيب، وإلَّا معلومات شحيحة تقول بأن ملف حل القضية اليمنية بات مكتملًا بمتطلبات نجاحة وجاهزًا للتطبيق في أي وقت!

 

لكن الذي لانشك فيه هو أن الحرب في اليمن سوف تتوقف قريبًا، سواءٌ أحُلَّت قضية الملف النووي الإيراني أم ظلَّت على حالها. فمهما يكن شكل وحجم الرابط بين الملفين، فإنه يبقى

ارتباطًا مفتعلًا أي غير عضوي وغير شرطي، وبالإمكان التغلب عليه وتجاوزه، مادام المجتمع الدولي والإقليمي مقتنع ومتفق، بل ومصمم على ضرورة إيقاف هذه الحرب وإنقاذ اليمنيين من حافة الهاوية! .

 

  • الخميس18فبراير 2021م.        

 

ذات صلة :