خفايا السياسة الأمريكية الجديدة في اليمن والمنطقة !

خفايا السياسة الأمريكية الجديدة في اليمن والمنطقة !

YNP - قيس الوازعي:

في سياق سياساتها الدولية المناقضة والمناهضة لسياسة إدارة ترامب الجمهوري، تواصل إدارة بايدن الديمقراطي سياسة الإلغاء والتخلِّي عن كل إجراء اتخذه ترامب تجاه العديد من القضايا الدولية، ماعدا ما يتعلق منها بالمصالح الأمريكية!

 

ليس هذا وحسب، وإنما أخذت هذه الإدارة تمارس، بكل إصرار وعناد، سياسات عقابية، غير معلنة، بحق أنظمة شرق أوسطية ساعدت ترامب في فوزه بالرئاسة أو كان لها علاقات حميمة معه!

 

فحرمان السعودية والإمارات من الدعم العسكري الأمريكي في الحرب على اليمن، يدخل في هذا الإطار، ولا علاقة للجوانب الإنسانية التي تتذرع بها إدارة بايدن، البتَّة!

بل إن هناك إجراءات عقابية أخرى في الطريق، كشفت عنها إحدى الصحف الأمريكية الكبرى إذ وعدت قراءها بنشر ملف متكامل عن علاقة ولي العهد السعودي بمقتل الصحفي خاشقجي في قنصلية بلاده في أسطنبول!

 

وما مظاهر الانكماش الذي تشهده إمبراطورية الإمارات في قارتي أفريقيا وآسيا إلّا شكل آخر من أشكال العقاب الذي يتعرض له ولي عهد أبو ظبي، هو الآخر!

 

يقال إن الرئيس بايدن، منذ فوزه بالانتخابات، لم يرفع سماعة هاتفه، أبدًا، حتى اليوم، ليتصل بأي حاكم عربي، خلافًا لما درج عليه أسلافه الرؤساء الأمريكيون. وهذه الجفوة لها معانيها ولها دلالاتها، التي يدركها السياسيون الكبار!

ماكنا نعتقد بوجود كل هذه الخصومة والأنانية الصبيانية الحمقى بين قيادتي الحزبين الأمريكيين الكبيرين؛ الجمهوري والديمقراطي!

 

كنا،في اليمن، نغبط الديمقراطية الأمريكية على اقتصار التنافس الانتخابي فيها على حزبين اثنين فقط، ظنًا منا أن قلَّة عدد الأحزاب سينهي مظاهر الصراع الحزبي القائم داخل المجتمع اليمني.

 

وحتى عندما دفعت الغيرة والحسد أحزاب اللقاء المشترك للتآمر على حزب الإصلاح، الذي احتكر الدين لنفسه واستغله لصالح تفوقه عليها؛ عددًا ومكانة، في مجتمع متديِّن، ماجعلها تبادر إلى التخلي عن القواسم الرفاقية الحزبية والسياسية المشتركة معه، ووصل بها الغيظ والانتقام حدَّ التنازل الخياني المخزي عن مبادئها الوطنية الكبرى، كنا نعتقد بأن الجهل السياسي والتخلف الحضاري هما من دفعاها إلى هذا الانحدار الأخلاقي المريع وإلى هذا الاستثمار الرخيص لخصومتها السياسية معه، ولم يخطر ببالنا أن مثل ذلك التصرف الغبي الأحمق قد يتكرر، فيصدر عن أحزاب عريقة أصيلة في ديمقراطية راسخة كما حدث من الحزبين الأمريكيين الكبيرين!

 

ومن الطبيعي أن يقف المرؤ محتارًا أمام عبث قيادتي الحزبين الأمريكيين بالقضايا الدولية، حينما يحاول كل منهما تخطيئ الآخر وتسفيه سياساته وإلغاء إجراءاته واستبدالها بأخرى لاتروق للسلف بقدر ما تشفي غليل الخلف! هذه الحيرة الطبيعية عرف السياسيون الإيرانيون كيف يستغلونها لصالحهم، وهذا مايضيق به صدور أصدقاء الغرب في المنطقة!

 

ومهما يكن من أمر هذه النماذج السلوكية المسيئة للديمقراطية، وما استدعت من نظرة تشاؤمية للعملية الديمقراطية، برمتها، وللتكوينات الحزبية، على اختلافها، إلَّا أن الديمقراطية والتعددية الحزبية، في صميم اعتقادنا الراسخ، تظل هي البديل الحضاري الأفضل لما عداها من أشكال الديكتاتوريات الأسرية والفردية، مهما بدا بعضها مغريًّا، عند النظرة المتعجلة إلى ماتحققه في جوانب الأمن المعيشي والسياسي والمجتمعي، كما هو الحال في الأنظمة النفطية الخليحية المجاورة، مثلًا .

 

بالعودة إلى سياسة إدارة بايدن تجاه الملف النووي الإيراني، فإنها، بعد أن أعلنت تخليها عن سياسة الضغوط القصوى، التي ابتكرها ترامب، ومارسها من خلال العقوبات الاقتصادية على إيران، وكان على بايدن مخالفتها، من دون نقاش ومن دون تفكير بالعواقب المحتملة لهذا الإجراء الحزبي المتسرع، واستبدالها بالحوار السياسي، فقد عادت إدارة بايدن عن قرار تخليها، معلنة أن سياسة الضغوط القصوى ستستمر. جاء ذلك بعدما رأت من إيران من المراوغات والتلاعب ما يعقد العودة إلى المسار الدبلوماسي.

 

اللَّافت في النظام الإيراني أن جميع مؤسساته السيادية وجميع موظفيه المدنيين والعسكريين؛ على اختلاف تخصصاتهم ومهنهم ومستوياتهم، من أعلى هرم السلطة، حتى أدناه وحتى الأكاديميين والباحثين والمفكرين، لن يترددوا في إطلاق التصريحات المتعصبة لقضيتهم، حتى أن لكل منهم شروطه الخاصة به للعودة إلى الحوار!

 

لم يتفوق على أشقائنا الفلسطينيين ، في هذا الميدان، إلا هؤلاء ولم يغوِ قناة الجزيرة عن بقية أخبار العالم إلا هم!

 

هذه الزحمة المفرطة في التصريحات الإيرانية، كفيلة بإصابة سياسيي العالم، بأسره، وليس الأمريكيين والأوروبيين، فقط، بالإرتباك، وحتى الذهول.

 

المؤكد أن كل هذه الربكة في التصريحات والاشتراطات ليست عفوية البتَّة، وإنما هي عملية مقصودة ومُعدَّة سلفًا وبإتقان. غايتها تتويه القوم وإطالة أمد الشَّد والجذب، حتى إذا جاء موعد الجلوس على طاولة الحوار يكون الخصم قد تاه وأضاع حسابه، فلا يدري عن أي الشروط يتحدث، ولايدري إلى أين يصوِّب سهامه!

 

 الفرق بين السياسي الغربي ونظيره الشرقي(ومنهم العربي)، أن الأول ابن بيئته المدنية المتحضرة والمسالمة، التي تربي أبناءها على قيم الفضيلة؛ (الحق والعدل والخير والجمال)، فيكبر على قدر من المصداقية والبراءة والشفافية إلى حدِّ السذاجة، في حين يمثل نظيره الشرقي بيئة أخرى وتربية أخرى، تختلف كل الاختلاف عن سابقتها!

 

وبالعودة إلى آخر معاندات إدارة بايدن للإدارة السابقة، فقد سحبت، منذ أيام، طلبًا كانت إدارة ترامب قدمته للأمم المتحدة لفرض عقوبات على إيران. وزادت على ذلك أن خفَّفت إجراءات الرقابة المفروضة على تحركات الدبلوماسيين الإيرانيين العاملين في الأمم المتحدة، معتقدة، بلاهة، أن هذه الاجراءات ستثبت حسن نيتها تجاه الملف النووي الإيراني!

 

في الوقت ذاته تفيد الأخبار من داخل البيت الأبيض بأن إدارة بايدن بصدد اتخاذ مزيد من الاجراءات لإنهاء سياسة الضغط القصوى واستئناف المسار الدبلوماسي مع إيران!

 

ترى هل قابل الإيرانيون هذه الاجراءات الأمريكية بما يتناسب معها من الاستحسان والتفاؤل؟

 

أبدًا، أبدًا، وإنما قال عنها وزير الخارجية محمد ظريف بأنها إجراءت جيدة لكنها لاتكفي! في حين قال الرئيس روحاني: إن أية إجراءات سياسية أمريكية ستظل مرهونة بطبيق واضح على الأرض، يزيل كل العقوبات المفروضة على إيران!

 

بل إن أحد السياسيين الإيرانيين، وما أكثرهم، قال في حديث لقناة الجزيرة: إن أي حوار قادم لن يكون طرفه 5+1 وإنما 4+1، بمعنى استبعاد الأمريكيين من أي حوار!

 

أغلب الظن أن المطالب التعجيزية الإيرانية ستتواصل، وسيرتفع سقفها إلى أقصى حدٍّ ممكن، في الوقت الذي ستقابلها استجابات أمريكية تتواءم مع فلسفة الحزب الديمقراطي المسالمة، المرنة والمهادنة، التي كانت السبب وراء خروج اليمين القومي الأمريكي، متهما الديمقراطيين بالتقليل من شأن وهيبة أمريكا وبتعريض مصالحها ومكانتها العالمية للخطر.

 

أمَّا إذا تساءل أحدنا عن السبب الذي دعا إدارة ترامب المنصرفة إلى الانسحاب من الاتفاق مع إيران حول ملفها النووي، المسمى(5 هم الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن+1 هي ألمانيا)، فأغلب الظن أن رغبته في مخالفة وإلغاء سياسة سلفه أوباما، في هذا الملف وفي غيره، هي السبب الحقيقي. وأمَّا ما تذرع به ترامب بخلو الملف النووي من نقاط ضرورية حول البرنامج الصاروخي الإيراني وحول ضبط سلوكها تجاه جيرانها.. فإنها مجرد أعذار، وإن كانت صحيحة، وكان بالإمكان بحث هذه النقاط في ملف آخر، خارج الملف النووي.

 

فما الذي حال بين إدارة أوباما وبين إضافة مطالب ترامب هذه إلى الملف النووي عند التباحث حوله وقبل التوقيع عليه؟ مع العلم أن هذه المطالب قد نوقشت في حينه وتم تجاوزها، كما أفاد بذلك محمد ظريف!

 

نعتقد أن أصدقاء ترامب في المنطقة هم من لفتوا انتباهه إلى موضوعي البرنامج الصاروخي والتدخلات الإيرانية في شؤون دول الجوار، وهم (الجيران) من طلب من ترامب إضافتها للملف النووي، فكان عليه أن يستجيب وحسب.

 

هذا معناه أن المباحثات المطولة حول الملف النووي بين إيران وبين ال(5+1) قد انتهت لصالح المحاور الدبلوماسي الإيراني، بفضل حنكته ودهائه، الذي استغل بها سذاجة وبراءة الطرف الآخر في الحوار، البالغ عدد أعضائه ستة أشخاص، من عدة دول!

 

ألم أقل لكم، إن السياسي الشرقي يكافئ عشرة من نظرائه الغربيين؛ دهاءً ومكرًا ومراوغة، وبالطبع ليس لذكائه ولا لسعة معارفه، إطلاقًا، وإنما لأسباب أخرى تتعلق بالبيئة والتربية؟!

 

حركة طالبان الأفغانية أحرزت، هي الأخرى، مكاسب لصالحها على المحاور الأمريكي، منذ فترة، في الدوحة، بفضل أبلسة ولؤم وخبث الدبلوماسي الشرقي! وذلك ما عبرت عنه الحكومة الأفغانية منذ أيام إذ قالت، متخلية عن بعض بنود الاتفاق: إن الطرف الأمريكي في مباحثات الدوحة لم يستشرها!

 

نتوقع أن يحقق الدبلوماسي الإيراني تفوقًا آخر وسيحرز مكاسب جديدة على نظرائه الغربيين، سواء أكانوا خمسة أم ستة أم عشرة، في أية مباحثات أو حوارات قادمة، والسبب بات معروفًا!

 

 هذا إذا لم تفاجئ إيران العالم، شرقه وغربه، باختبار قنبلتها النووية، قبل الانتهاء من أية حوارات أو مباحثات، مالم تفاجئ إسرائيل الجميع بضربة استباقية تدمِّر المنشآت النووية الإيرانية، فتكفي العالم شر القتال.

 

 


تابعونا الآن على :

ذات صلة :