الحروب اليمنية السعودية والدور البريطاني

الحروب اليمنية السعودية والدور البريطاني

YNP – خالد اشموري :

في بحثه القيم الموسوم بـ ( الحروب اليمنية السعودية والدور البريطاني – الجزء الأول – الطبعة الأولى الصادر حديثاً ( أكتوبر – 2020م ) يتناول الباحث الأستاذ القدير عبدالله بن عامر ( الحروب اليمنية السعودية محاولاً تفسير الموقف اليمني ونقله من مرحله الضبابية وعدم الوضوح إلى مرحلة تفكيك الغاز الإنكسار ودواعي ما أطلق عليه (هزيمة) ،

فيما يتناول المؤلف في البحث مختلف مراحل الصراع اليمني السعودي موضحاً أسباب محاولات إخضاع اليمن وتركيعه ومنها الأسباب التاريخية والجغرافية والاقتصادية مع الكثير من العوامل المتعلقة بالسكان والتراث الديني والمعتقدات والتي تعد الأسباب وذات العوامل المكررة في كل مراحل الصراع حيث قسمها المؤلف والباحث إلى :

مراحل الصراع اليمني السعودي:

اولأً : وهي المراحل التي تخللتها الحروب منذ القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين وأتسمت بالتعامل الندي بين الطرفين والمقاومة اليمنية للتوسع السعودي التي اتخذت أشكالاً مختلفة، على رأسها المقاومة المسلحة، بدأت هذه المرحلة من 1798م بمقاومة عسير والمخلاف السليماني واستمرت حتى 1814م ثم المرحلة الثانية مع الدولة السعودية الثالثة وبدأت من 1918م حتى 1934م.

ثانياً: مرحلة الهيمنة السعودية على اليمن والتي أدت في نهايتها إلى التبعية الكاملة ويمكن تقسيمها إلى :

1-   مرحلة التأثير والاحتواء التي تبدأ منذ توقيع اتفاقية الطائف 1934م حتى 1948م وفيها حاولت السعودية جر اليمن إلى فلكها من خلال اتخاذ المواقف ذاتها لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الخارجية مع محاولة تحسين العلاقات بما يخدم هدف الاحتواء.

2-   مرحلة التأثير والتدخل الناعم من 1948م إلى 1962م وفيها بدأت السعودية تهتم أكثر بالملفات الداخلية اليمنية وتؤثر فيها بشكل محدود جداً لكنها كانت ترسم الطريق نحو نسج علاقات مع قوى محلية ضمن مخططها للتأثير الكامل في المشهد اليمني وخلال هذه المرحلة كان هناك تأثير سياسي واقتصادي واجتماعي.

3-   مرحلة التدخل المباشر من 1962م حتى 1970م ، هذه الفترة كان التدخل السعودي قد فرضه إعلان الجمهورية والتدخل المصري حيث أصبحت السعودية طرفاً في الصراع وكان لها تأثير كبير في الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية.

4-   مرحلة التبعية أو الوصاية بدأت 1970م واستمرت حتى 2015م مع فترات متقطعة شهدت فيها العلاقة اليمنية السعودية حالات من المقاومة اليمنية كآخر أيام الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي وكذلك خلال السنوات الأولى للوحدة وقبل ذلك حالة مقاومة الشطر الجنوبي للنفوذ السعودي منذ الاستقلال حتى مطلع الثمانينات ، خلال هذه المرحلة الطويلة شهد اليمن مراحل مختلفة من مصادرة القرار اليمني والتحكم بمختلف الملفات جراء الهيمنة السعودية.

أما عن أسباب الصراع اليمني السعودي الذي اتخذ أشكالاً عدة، منها الحروب العسكرية فيمكن القول أن الطموحات التوسعية تقف خلف ذلك الصراع فاليمن لم يكن ضمن استراتيجيته التوسع خارج جغرافيا اليمن التاريخي طوال القرون الماضية، على عكس الإستراتيجية التوسعية السعودية التي لم تقف عند حدود نجد جغرافياً الوهابية الطبيعية، بل امتدت إلى الحجاز واليمن وعمان ، مع أن اليمن ظل عصياً على السقوط بشكل كامل والخضوع للدولة السعودية إلا أنه تأثر كثيراً جراء ذلك التوسع والغزو، على رأس تلك النتائج والتداعيات تهديد كيان الدولة اليمنية وفصل المناطق الشمالية عن اليمن ومنع وحدة اليمن الطبيعي على كامل حدوده التاريخية المعروفة لدى جميع المؤرخين والجغرافيين.

وفي الحقيقة أن السعودية لم تكتف باقتطاع جزء من اليمن التاريخي، بل ذهبت نحو إخضاع اليمن بمختلف الوسائل واتجهت بكل قوة نحو التدخل في الشؤون الداخلية والهيمنة على القرار اليمني وفرض الوصاية على الدولة اليمنية والحيلولة دون امتلاك اليمن عوامل القوة والنهضة مع التأثير الثقافي الذي يستهدف الهوية اليمنية بتنوع خارطتها المذهبية والمناطقية.

وخلال فترات الصراع اليمني السعودي عملت السعودية على محاصرة الدولة اليمنية ضمن جغرافيا محددة حتى لا تتمكن من التوسع وبالتالي الهيمنة على الجزيرة العربية ولهذا نجد الإصرار السعودي على ضم عسير السراة لموقعها الاستراتيجي الحاكم على الحجاز وإصرار آخر على ضم نجران نظراً لموقعها من نجد وبالنسبة لعسير تهامة أو المخلاف فقد رأت السعودية إلى تلك المنطقة بعيون بريطانية نظراً لموقع جزر فرسان إضافة إلى أهمية المخلاف التجارية والزراعية وهي ذات الأهمية التي يشترك معها المخلاف مع عسير السراة ونجران باعتبار كل تلك المناطق مناطق زراعية، إضافة إلى الجغرافيا والاقتصاد فإن عاملاً آخر ظل حاضراً في الذهنية السعودية يتعلق بالكثافة البشرية التي لو قدر لها الاتحاد ضمن مشروع واحد وتحت راية دولة يمنية واحدة فإن ذلك سيشكل خطراً كبيراً على السعودية كما يظن قادة السعودية وفي الحقيقة أن أصل هذه الاستنتاجات والتوقعات بريطاني قبل أن يكون سعوديا.

أما من وجهة النظر السعودية فيمكن إجمال أسباب الحروب اليمنية السعودية في الآتي:

1-   الاعتقاد بأن قوة اليمن وحضوره سيؤدي إلى ضعف السعودية والظن أن المشروع اليمني لا يمكن أن يتحقق إلا بنهاية المشروع السعودي فلا يمكن للمشروعين التعايش ضمن جغرافيا جزيرة العرب مالم يكن هناك تابع ومتبوع ومالم يكن هناك تفوق سعودي وهيمنة سعودية ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد الحضور التاريخي لليمن من خلال مشاريع الدول التي كان لها نفوذ عالمي والقدرة اليمنية على النهضة من خلال توافر عوامل القوة لدى اليمن فيما لو تهيأت الظروف لذلك ولهذا نجد أن الحالة اليمنية تحولت إلى كابوس يؤرق الحكام السعوديين الذين توارثوا توجيهات المؤسس التي تربط خيرهم بشر اليمن والعكس.

2-   الأهمية الجغرافية والاقتصادية لليمن ولهذا سنتطرق إليه في كل عنوان بحسب ما تقتضيه عملية توضيح الصورة بشكل كامل.

3-   اليمن مركز ثقل تاريخي وديمغرافي والهيمنة عليه يؤدي إلى تحقيق هدفين إما أن تتحول هذه الكثافة البشرية إلى جنود لمشروع السعودي كما حدث مع بعض أطراف اليمن أثناء تأسيس الدولة السعودية الأولى أو على الأقل السيطرة على هذه الكثافة البشرية بحيث لا تصبح تهديداً للوجود السعودي، لا سيما والتاريخ السعودي لم ينس بعد هجمة القبائل اليمنية على الدرعية ولا محاولة اغتيال عبد العزيز.

4-   السعودية تخشى من اليمن الجغرافي ، واليمن التاريخي ، واليمن الدولة، واليمن الشعب، واليمن الثقافة والهوية ، واليمن الحربي، واليمن الاقتصادي ، ولهذا تجدها تستهدف جغرافيا اليمن باحتلال قلبه الأعلى المهيمن على نجد والحجاز ومحاولة التوسع إلى مناطق الثروة أو على الأقل تحويلها إلى مناطق نزاع ، وتستهدف تاريخ اليمن من خلال محاولات فرض روايات تاريخية تشكك في يمنية الشمال اليمني وتعمل على توظيف متناقضات تاريخنا الطويل وصراعاتنا المحتدمة لخدمة أهدافها وتخشى اليمن الشعب ككثافة بشرية وثقافة وهوية وتخشى اليمن العسكري أو الحربي من خلال توجهها نحو إعاقة أي توجه لبناء جيش أو قوة عسكرية وتخشى اليمن الاقتصادي من خلال منع اليمن من استخراج ثرواته في البر والبحر وإثارة الفوضى والتحكم بها وإدارتها حتى لا يتسنى للدولة اليمنية الالتفات إلى عوامل القوة والنهضة والتاريخ اليمني متخم بالأدلة والأمثلة على كل ما أشرنا إليه.

5-   استراتيجية السعودية في اليمن تتمثل في إبقاء اليمن تابعاً خاضعاً تحت السيطرة الكاملة ولهذا فكل مشاريع الرفض لهذه الهيمنة بشكل مباشر كتلك المشاريع التي تستهدف الوصاية والهيمنة أو بشكل غير مباشر كتلك المشاريع الاستقلالية النهضوية التي لا يمكن أن تحقق أهدافها مالم تصطدم أولاً بالحكم السعودي لليمن ولهذا نجد أن كل تلك المشاريع تتعرض للاستهداف بمختلف وشتى الطرق.


تابعونا الآن على :

ذات صلة :