يالخيبة الظَّن بالدولة الأعظم !؟

يالخيبة الظَّن بالدولة الأعظم !؟

YNP - قيس الوازعي :

رُبَّ فلتة لسان، من ذي شأن، ألغت آلاف الأحاديث، ودمَّرت أرصدة ضخمة من الثقة!

كيف لا وقد أطلقت سِرًّا خفيًّا من محبسه، فكان بمثابة قنبلة مدوِّية أصابت سامعيها بالذهول!

لكنها، على الرّغم من سلبية المفاجأة المفزعة، صَحَّت القوم من غفلة سحيقة وأيقظتهم من سبات عميق.

لقد كانت المفاجأة كافية لأن تُغَيِّر مفاهيم وتُبدِّد قناعات، كانت، ذات يوم، بحكم المسلمات، التي بنيت، على أساسها، مواقف حدَّدت ملامح رؤى ميَّزت صاحبها عن سواه.

أفادت مراسلة الجزيرة في البنتاجون الأمريكي، منذ أيام، أن مسؤولًا كبيرًا فيه قال، في سياق ردِّه على منتقدي إدارة بايدن لسحبها قواتها العسكرية من أفغانستان، من دون أن تتخذ إجراءات أمنية ضرورية تحول دون انزلاق تلك البلاد إلى حرب أهلية مدمرة، قال: (( أمريكا ليست معنية ببناء دول)) !!

هكذا قالها صريحة، من دون مواربة ولا دبلوماسية!؟

ياسلام ! أبهذه البساطة والجرأة يتخلى الحليف عن حليفه؟!

لاندري أتحدث المسؤول العسكري الأمريكي الكبير عن أمريكا ـ الدولة الأعظم في العالم،  التي عرفناها وعلقت عليها أمم مظلومة وشعوب مكلومة آمالًا عراضًا لإنصافها من ظالميها وإنقاذها من طغاتها ومستبديها أم أنه تحدث عن أمريكا أخرى لانعرفها؟

فإذا كان يقصد بحديثه أمريكا التي نعرفها، فقد وضعنا أمام تساؤل خطير يقول: هل عبّرت فلتة لسانه عن وجهة نظر صانعي السياسة الكبار في بلاده أم عبرعن وجهة نظره الشخصية وحسب؟ !

إذا لم تكن أمريكا راعية أمن العالم وسلامه، المتباهية على أمم الأرض بقيمها الحضارية النبيلة، معنية ببناء الدول التي دخلتها، على الأقل، فهدَّمت بنيانها، فمن هو المعني إذن ؟

وأي القوانين والأخلاق تجوِّز لها ترك أمة بأسرها غزتها، عُرضة للفوضى والاقتتال؟!

في 14 إبريل المنصرم أعلن الرئيس بايدن عزمه على سحب قوات بلاده وقوات الحلف الأطلسي من الأراضي الأفغانية، مبرِّرًا ذلك بقوله إنه لم يعد هناك مبرِّر للإبقاء عليها في أفغانستان، بعد أن حققت أهدافها بالقضاء على تنظيم القاعدة الإرهابي.

لكنه لم يقل، أيضًا، إن قواته دمَّرت، في طريقها، حكومة حركة طالبان المتحالفة مع تنظيم القاعدة، ثم أقامت، على أنقاضها، دولة هزيلة تتجاذبها قوى قبلية ومناطقية متصارعة، ينهش مفاصلها الفسساد!

بعد سنوات على هزيمة حكومة حركة طالبان عادت الولايات المتحدة للتحاور معها في الدوحة، فخلصتا إلى اتفاق مشبوه، لم تشارك فيه حكومة أشرف غني في كابول، لكنها أُجبرت على القبول به على مضض! ؟

فمن أين اكتسبت جماعة طالبان( الإرهابية، المتمردة) المشروعية لتجلس، وجهًا لوجه، مع الأمريكيين على طاولة الحوار؟ أم أن الأمريكيين سيبررون ذلك، كالمعتاد، بالقول إن الحوار لم يكن مباشرًا وإنما عبر طرف ثالث !

يؤكد المسؤولون الأمريكيون أن اتفاق الدوحة، الذي حدد موعد انسحاب القوات من أفغانستان تضمن تعهدات من حركة طالبان بعدم مهاجمتها للحكومة في كابول، وأيضًا، عدم مهاجمة حلفاء واشنطن في المنطقة، وكذا التزام الحركة بمبدأ الحوار السلمي مع الأطراف الأفغانية، وعدم توفير المأوى للجماعات الإرهابية.

فيا هل ترى ماهي الضمانات التي قدمتها الحركة؟ وكيف تثق واشنطن بوعود حركة إرهابية متطرفة ومتمردة؟

كل المؤشرات من الميدان الأفغاني تلمِّح إلى عزم حركة طالبان المتعصبة لقبائل الباشتون المنحدرة منها على الحدود مع باكستان والمدعومة من المخابرات الباكسانية، عازمة على مهاجمة حكومة كابول. بل إن الناطق باسم الحركة حذر الأمريكيين أنفسهم من أن أي تأخير في سحب قواتهم سيعطي الحركة الحق في (العودة) لحمل السلاح ومهاجمتها من جديد. وفي الأثناء تفيد الأخبار بأن الحركة لم تتخل عن السلاح وأنها تهاجم قوات الحكومة الأفغانية في مناطق عدة!

الحكومة الأفغانية وقوى وطنية أخرى لم تخف مخاوفها من نوايا طالبان الاستيلاء على السلطة. وأكبر دليل على ذلك مهاجمة مسلحيها للقوات الأفغانية في مناطق القواعد العسكرية التي تخليها القوات الأجنبية.

لكن تلك المخاوف لم تجد من الأمريكيين سوى تطمينات لايمكن الركون إليها.

وليأتي تصريح المسؤول الأمريكي،  الذي نحن بصدده، معبِّرًا عن تخلي دولته عن مسؤولياتها في بناء دولة مدنية حديثة قوية ومقتدرة  للدفاع عن نفسها وضمان أمن واستقرار وسلام الشعب الأفغاني!

الأعجب من كل ما سبق أن مسؤولين ونوابًا أمريكيين عبَّروا عن مخاوفهم من احتمال عودة المنظمات الإرهابية إلى أفغانستان واتخاذها منطلقًا لمهاجمة الولايات المتحدة من جديد!

وبعد: أليس من حقنا أن نتساءل، مستغربين، عن أسباب ومبررات مثل هذه السياسات الأمريكية المتناقضة والمستهترة؟

فالأمريكيون على علم بأن قرارات طالبان ليست بيدها وإنما بيد داعميها ( باكستان، السعودية والإمارات) التي اعترفت بشرعيتها، دون حكومات العالم، عندما اجتاحت كابول وبسطت سيطرتها على الأرض الأفغانية، بقوة السلاح. وقامت بإعدامات فضيعة أتبعتها بتدمير معالم حضارية تاريخية إنسانية أحدثت ضجة واسعة على مستوى العالم.

فضلًا عن فرضها سياسات رجعية ظلامية متشددة حرمت الشعب الأفغاني من أبسط حقوقه وحرياته.

والأمريكيون على علم، أيضًا، بوجود علاقات مشبوهة للحركة مع موسكو، التي حرَّضتها وكافأتها على قتل جنود أمريكيين، تحديدًا، قد تستغلها لتصفية حساباتها مع الدول الغربية.

أفهكذا يفكر ساسة وقادة الدولة الأعظم، المؤمل عليها قيادة العالم قدمًا في سُلَّم النهوض الحضاري، وحفظ أمنه وسلامه وتآخيه وتعاونه، لما فيه خير الإنسانية وحريتها وصون كرامة إنسانها؟!

-الاثنين 3 مايو 2021 م .

 

 


تابعونا الآن على :

ذات صلة :