صنعاء.. جنان الأرض

صنعاء.. جنان الأرض

خالد الأشموري

يقول القزويني في "آثار البلاد وأخبار العباد": صنعاء قصبة بلاد اليمن، أحسن مدنها بناءً، وأصحها هواءً، وأعذبها ماءً، وأطيبها تربة، واقلها أمراضاً، ذكر أن الماء إذ رش في بيوتها تفوح منه رائحة العنبر، وهي قليلة الآفات والعلل، قليلة الذباب والهواء، إذ اعتل إنسان في غيرها ونقل إليها يبرأ، وإذا اعتلت الإبل وأُرعيت في مروجها تصح، واللحم يبقي بها أسبوعا لا يفسد.

بناها صنعاء بن أزال بن عنبر بن عابر بن شالح، شبهت بدمشق في كثرة بساتينها وتخرق مياهها وصنوف فواكهها.

قال محمد بن احمد الهمداني: أهل صنعاء في كل سنة يشَتون مرتين ويصيَفون مرتين، فإذا نزلت الشمس نقطة الحمل صار الحر عندهم مفرطًا، فإذا نزلت أول السرطان زالت عن سمت رؤوسهم، فيكون شتاء، فإذا نزلت أول الميزان يعود الحَر أليهم مرة ثانية، فيكون صيفًا، وإذا صارت إلى الجدي شَتوا مرة ثانية، غير أن شتاءهم قريب من الصيف في كيفية الهواء.

قال عمران بن أبي الحسن: ليس بأرض اليمن بلد اكبر من صنعاء، وهو بلد بخط الاستواء، بها اعتدال الهواء لا يحتاج الإنسان إلى رحلة الشتاء والصيف، وتتقارب ساعات نهارها.

وكان من عجائب صنعاء غمدان الذي بناه التابعة، قالوا: بانيه ليشرح ابن يحصب، قال ابن الكلبي: اتخذه على أربعة أوجه: وجه احمر ووجه ابيض ووجه اصفر ووجه اخضر، ونبي في داخله قصرًا على سبعة سقوف، بين كل سقفين أربعون ذراعًا، فكان ظله إذا طلعت الشمس يٌرى على ماء بينهما ثلاثة أميال، وجعل في أعلاه مجلسًا بناه بالرخام الملون، وجعل سقفه رخامة واحدة، وصير على كل ركن من أركانه تمثال أسد، إذا هبت الريح يسمع منها زئير الأسد، وإذا أسرجت المصابيح فيه ليلاً كان سائر القصر يلمع من ظاهره كما يلمع البرق.

وقال أبن حوقل "في صورة الأرض":

وليس بجميع اليمن مدينة اكبر ولا أكثر مرافق وأهلا من صنعاء، وهو بلد في خط الاستواء، وهو من اعتدال الهواء بحيث لا يتحول الإنسان عن مكان واحد شتاءً ولا صيفًا عمره، ويتقارب بها ساعات الليل والنهار، لان محور الشمس عليها معتدل، وفيها كانت ديار ملوك اليمن فيما تقدم، وبها آثار بناء عظيم قد خرب، فهو تل كبير يعرف بغمدان، وكان قصرًا لملوك اليمن، وليس باليمن بناء ارفع منه على خرابه.

 

وفي "الروض المعطار في خبر الأقطار" للحميري:

صنعاء مدينة عظمية باليمن كان اسمها في القديم أزال، فلما وافتها الحبشة ونظروا إلى مدينتها فرأوها مبنية بالحجارة قالوا: هذه صنعاء وتفسيرها بلسانهم حصينة، فسميت صنعاء، قالوا: والذي أسس غمدان وابتدأ بنيانه واحتقر بيده الذي هو اليوم سقاية بمسجد جامع صنعاء، سام بن نوح عليه السلام، لأنه سار يطلب حر البلاد وموضع اعتدال الحر والبرد، فلم يجده إلا في جزيرة العرب، فنظر الحجار فوجده مفرط الحر لمقام الشمس شهرين في مثل ثلاث درجات وكسر على سمته، فسار في الإقليم الأول حتى صار إلى حقل صنعاء فوجده أطيب باعتداله وصحة هوائه، ورآه أرجح إلى البرد منه إلى الحر، ورأى ميله وسطًا لا مثل ميل الحمل المتقارب تسير الشمس فيه طولاً درجة وعرضًا قريبًا من نصفها، ولا مثل ميل الجوزاء الذي هو تسع طوله، ورأى الشمس تسامته في السنة كرتين في ثماني درجات من الثور، وثلاث وعشرين من الأسد، فإذا كانت الشمس فيها ترى الشمس في أبار صنعاء انتصاف النهار.

ويصف الإدريسي في "نزاهة المشتاق":

مدينة صنعاء كثيرة الخيرات، متصلة العمارات وليس في بلاد اليمن أقدم منها عهدًا ولا اكبر قطرًا ولا أكثر ناسًا، معتدلة الهواء طيبة الثري والزمان بها أبدا معتدل الحر والبرد، وبها كانت ملوك اليمن قاطبة، وهي ديار العرب، وكان لملوكها بها بناء كثير عظيم الذكر وهو قصر غمدان، فتهدم وصار كالتل العظيم وأكثر بنياتها في هذا الوقت بالخشب والألواح، وبها دار لعمل الثياب المنسوبة إليها، وهي قاعدة اليمن، وهي على نهر صغير يأتي إليها من جبل، يوافي من شمالها، فيمر بها نازلاً إلى مدينة ذمار ويصب في البحر اليماني.

وجاء في " تاريخ مدينة صنعاء" للرازي (ت 480هـ) القول بإن:

صنعاء إحدى جنان الأرض عند كافة الناس، وبذلك جاء الخير عن سام بن نوح انه دار لأرض، فلم يجد موضعًا أطيب من صنعاء من سد جبل نقم، يعني من طلحة الحداد، إلى الجزارين، وكان أراد أن يبني القصر على الحمراء، يعني الموضع المعروف بالحمراء، فلما وضع يده لبناء القصر ومعه ذراع يقدر به من عود، إذ طائر قد انحط فخطف الذراع فطار به وارتفع وهم ينظرون حتى طرحه على جبوب غمدان، فقال سام: هذا الأمر أن اعمله حيث وقع الذراع فعمل القصر في ذلك المكان.

 

 

وفي مبحث "الأخلاق النفيسة"لابن رُسْته في وصفة لمدينة صنعاء..

 هي مدينة اليمن، ليس باليمن ولا بتهامة ولا بالحجاز مدينة أعظم منها، ولا أكثر أهلاً وخيرًا واشرف أصلاً ولا أطيب طعامًا منها، وهي مدينة جبلية برية معتدلة الهواء، يعدل طيب هوائها في جميع السنة هواءً ربيعياً في السنة أذا اعتدلت وطابت، ويفرش الفراش الواحد في مكان، فلا يحول من ذلك المكان لحرَ ولا برد سنين كثيرة،وتدرك عندهم الحنطة دفعتين والشعير والأرز ثلاث دفعات وأربعًا من ثمارهم وعنبهم ما يدرك في السنة دفعتين أيضا، وهي مدينة كثيرة الأهل طيبة لمنازل بعضها فوق بعض، إلا أنها مزوقة أكثرها بالجص والأجُر والحجارة المهندمة، منها ما أساسها من الجص والآجُر وسائرها حجارة مهندمة حسان وبعض أراضي بنائها الجص والآجُر وبعضها بالجص، وأكثر سطوحها مفروشة بالحصا لكثرة أمطارها ولامطارها أوقات معلومة عندهم علامات لذلك لا يخطئون ويمطرون في شهور الصيف شهرًا واحدًا ثم تنقطع الإمطار عندهم فلا يمطرون أصلا إلى مثل ذلك الوقت من العام الآخر، وأكثر ابتداء مطرهم في الوقت الذي يُمطرون فيه بعد العصر، وربما تكون السماء نقية ولا يرى للمطر علامة والناس تحت بعضهم بعضا على الفراغ من أعمالهم حذرًا من المطر فينشؤ السحاب مع فراغهم فيمطرون أكثر من وقت العصر إلى وقت المغرب، فيجرف السيل جميع ما يكون فيها من القذى ويغسل تلك الكورة بأسرها ويجري ذلك الماء إلى مزارعهم في مجار قد اتخذوها لهذا الأمر لا يتعطل معه شيء من هذه المياه، ولم يكن لهم سور في القديم وأحداث ذلك بعد فتنة ابن يعفر ملكهم ولمدينتهم شارع يشقها بنصفين وينفذ إلى واد يجري فيه السيول أيام المطر في عرض دجلة أو اقل منها ويسمى السرارة وعلى ضفتية قصور مبنية من الجص والآجُر والحجارة، وعامة هذه القصور للدباغين واليه أيضا ينفذ فوهه أزقتها وسوقها في ناحية مما يلي قبلتها وبعض هذا الشارع ولكل واحد من أزقتها بابان يفضي احدهما إلى هذا الشارع والآخر إلى سور البلد ومسجد كبير، وذكر فقهاء تلك الناحية أن هذا المسجد بني بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهده، وان في موضع المحراب قبر نبي من الأنبياء، وكان يعظم ذلك قبل بناء المسجد في المتقدم من اجل ذلك وانه تولى بناءه رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقبالة المسجد الجامع بالقرب منه على قدر عشر اذرع قلعة أساسها من الصخر وهي تعرف بغمدان موضع التبايعة بناءها سام بن نوح وذكر فقهاؤهم انه أول بناء بٌني بعد الطوفان وسمكها مرتفع جدًا وقد نقض عامه حواليها واستعمل ما خرج منها من الحجارة، حتى قال بعضهم انه اكتفي بما خرج من الحجارة عن نقل الحجارة إليها من غيرها، وفي هذه القلعة بئر يُسقي منها الماء إلى هذه الغاية، ويقولون أنها بئر سام ابن نوح، وفيها بئر أخرى وهي البئر التي وجد فيها قتيل من المسلمين في خلافة عمر فاشترك في قتله سبعة نفر فقتلهم عمر جميعًَا به وقال لو تمالي عليه آهل صنعاء لقتلتهم به، وهذا حديث معروف رواه سعيد ابن المسيب عن عمر وغيره عن عمر، وإذا ارتقى الملقي الباقي من بناء غمدان اشرف على جميع صنعاء ولمسجدهما اثنان وعشرون مؤذنًا يؤذنون جميعهم في كل صلاة احدهم على أثر الآخر، إلا في صلاة المغرب خاصة، ثم يأخذون جميعًا في الإقامة بصوت واحد وهم يمشون من المنارة إلى الصف، فإذا انتهوا إلى الصف يكونون قد فرغوا من الإقامة، وفي كل منزل من منازلهم بئر يُستقي منها للشرب ويفضل ماء الآبار على مياه العيون الجارية عندهم، ووصف فقيه منهم انه وزن ماء من أبارهم قليلاً مع مثله من ماء دجلة فوجده ماء البئر أخف من ماء دجلة، وبقرب كل مسجد من مساجدهم إلا القليل منها سقاية فيها ماء للسبيل، ومغتسل ومتوضئ كل مصهرج، وفيه طاق كبير قد عقد من حجارة بقرب الجزارين ذكر أهلها انه ذبح في هذا الموضع في الزمن الأول ستة عشر نبيًا، وطعامهم البر النقي والعدس وهو شبيه بالحنطة، إلا انه أدق من الحنطة في سنابل لا تشبه سنابل الحنطة عليها قشرتان احديهما قشرة السنبلة والأخرى قشرة مقاربة لقشرة الأرز، فيقشر من قشرته ويطحن ويخبز فيوجد طعمه أطيب من طعم خبز الحنطة، وعندهم فواكه سرية مثل أنواع التفاح والبرقوق وهو المشمش والفرسك أنواع وهو الخوخ ومن أنواع الأجاص ما ليس بخرسان والكمثرى أنواع كثيرة، وعندهم على ما زعموا قريب من سبعين لونًا عنب وعندهم النخيل في قراها دون قصبتها والموز عندهم كثير في كل موضع يدرك الموز عندهم في كل أربعين يومًا يقطع ثمرته، ولا ينقطع القطاف عنهم أبدا، وعندهم باقلى رطب وقصب سكر وجوز ولوز وفستق ورمان وتين وسفرجل وبطيخ حسن غير طيب يؤكل مع السكر والقتاء، وأنواع الخضر والاترج عندهم كبار حلو الطعم وألوان الرياحين والورد والياسمين والنرجس والسوسن ألوان، وربما وجد كلها في وقت واحد وعندهم العسل الكثير ويفضلون لحم البقر على لحم الضان السمين، يشتري جميع ذلك بسعر واحد، ومن عندهم يجلب الأدم والنعال المشعرة، والانطاع والبرود المرتفعة والمصمت والاردية يبلغ الثوب من البرد عندهم خمس مائة دينار، وألوان الفصوص والأواني بقرانية وسعوانية والجزع  وأنواع الخرز يبلغ الفص من البقراني مائة دينار وأكثر، ولهم سوق على حدة لا يباع فيها إلا المزامير قد شدوها حزمًا ونضدوها في حوانيتهم، ولهم خانات كثيرة ومحال فيها خلق كثير يعملون أواني الجزع وأنواع الخرز، وليس لشيء من مساجدها رحبة إلا للمسجد الجامع، ووجوههم قوم من نسل سيف بن ذي يزن في غاية السراوة والنيل يتقدمون في ذلك وجوه سائر الكور وهم قوم يرجعون إلى سخاء وكرم.

وللحوم ضأنهم وبقرهم خاصية وذلك أنها لا تنضج إلا على الجمر والوقود يسخنها ولا ينضجها، وضياعهم اجل ضياع وأكثرها فاكهة وأحسنها عمارة وهي على ثلاثة أصناف صنف منها اعذاء وصنف منها على العيون وصنف على الآبار يستقي منها بالإبل والبقر وصنف وهي أسراها وأكثرها قيمة على ماء السد والسد سكر قد اتخذ على فوهة جبال قد أحاطت بمواضيع تقرب من ضياعهم قد نصبوا على أسافل السد اقواهًا يجرون منها المياه في انهار قد احتفروها إلى ضياعهم.

  • المصدر: من كتاب فضائل المدن للدكتور / هشام نشابة – الصادر عن منظمة اليونسكو عام 1996م.

 

 


تابعونا الآن على :

ذات صلة :