صنعاء تجبر السعودية على التعامل معها كحكومة شرعية لليمن

YNP / إبراهيم القانص -
لطالما حلم المواطن اليمني في مناطق سيطرة حكومة صنعاء بأن يتوجّه إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، طيلة الأعوام الثمانية منذ بدء التحالف حربه على اليمن، فالنظام السعودي- الذي يقود الحرب- أدخل هذه الفريضة المقدسة ضمن أوراقه السياسية، ولم يسمح طيلة تلك السنوات لأي مواطن بالتوجه للحج عبر مطار صنعاء الدولي،

وكان المواطن مجبراً على التوجّه إلى إحدى المحافظات التي يسيطر عليها التحالف؛ أولاً لاستخراج جواز سفر كون الجوازات الصادرة من صنعاء محظورة وغير معترف بها، ومن ثم السفر عبر مطار عدن أو سيئون أو عن طريق المنافذ البرية، بكل ما تعنيه هذه الرحلة من خطر على حياة الحجاج وممتلكاتهم، فخطوط السفر تلك تقع في إطار المحافظات التي تعاني انهياراً أمنياً مخيفاً، وبالتالي طالما كانت ولا تزال محفوفة بمخاطر عصابات قطع الطريق والنقاط الأمنية التابعة للفصائل الموالية للتحالف، والتي لا تقل سوءاً عن قُطَّاع الطرق، وهناك إحصاءات مرعبة لحوادث القتل والنهب التي حدثت سواء لمن كانوا يودون السفر للحج أو للعلاج.

الآن وبعد أن دخلت معادلات القوة والندية خطوط المواجهة- عسكرياً وسياسياً- وكانت لصنعاء بموجب تلك المعادلات التي فرضتها كلمة مسموعة وشأناً يُحسب له آلاف الحسابات؛ استجابت السلطات السعودية، ولأول مرة منذ بدء الحرب، لما طرحته صنعاء بشأن مطارها الدولي وخصوصاً ما يتعلق بتفويج حجاج بيت الله الحرام عبر مطار صنعاء وبالأعداد التي طرحتها الجهات المعنية.

ولأول مرة منذ بدء الحرب، توجّه حجاج بيت الله الحرام عبر مطار صنعاء الدولي مباشرةً إلى مطار جدة السعودي، ضمن بعثة حج رسمية تمثل تلك حكومة صنعاء، وضمن الرحلة غادر نائب وزير الأوقاف والإرشاد ومسئولون في الوزارة المشرفة الرئيسة على بعثة الحج، الأمر الذي اعتبره مراقبون انتصاراً سياسياً انتزعته صنعاء وفق منطق القوة الذي فرضته معادلاتها على الأرض، فالحجاج تم نقلهم عبر مطار صنعاء الدولي بعدما كان مستحيلاً على مدى ثمانية أعوام، بالإضافة إلى أنهم سافروا بجوازات صادرة من صنعاء، ما يعني أن التحالف قبل بها بعدما حظرها ومنعها حتى في السفر براً، كما اعتبر المراقبون البعثة الرسمية من وزارة الأوقاف والإرشاد للإشراف على تفويج الحجاج اليمنيين إجباراً للتحالف على الاعتراف بحكومة صنعاء.


وحسب مواقع إخبارية محسوبة على سلطات صنعاء، فقد غادر العاصمة وفد من القيادات التابعة لسلطات صنعاء ضمن فوج الحجاج، لأداء الفريضة المقدسة، أبرزهم اللواء يحيى عبدالله الرزامي، رئيس اللجنة العسكرية المفاوضة، مع أعضاء اللجنة، على متن الرحلة التي أقلت فوجاً من الحجاج اليمنيين، رفقة البعثة الرسمية من وزارة الأوقاف والإرشاد، ونقلت مواقع إخبارية عن مصادر مطلعة أنها لا تستبعد أن يجري اللواء الرزامي محادثات مع الجانب السعودي، في إطار استكمال التفاوضات التي تمت في صنعاء بحضور الوفد السعودي ووفد الوساطة العماني في رمضان الفائت.

توجُّه رئيس اللجنة العسكرية المفاوضة، اللواء عبدالله الرزامي، أثار جدلاً كبيراً في أوساط اليمنيين، سواء في مناطق حكومة صنعاء أو في المناطق التابعة للشرعية والتحالف، فبعض المواطنين الموالين لحكومة صنعاء اعتبروه مخاطرةً بقيادات مهمة قد تعتقلها السلطات السعودية، وبعضهم اعتبرها مسألة تمييز لتلك القيادات عن غيرهم- رغم أن السفر للحج كان متاحاً لكل من يرغب في ذلك- أما في مناطق سيطرة التحالف والشرعية فقد تعامل البعض مع المسألة بسطحية لا تنم عن إدراك لأبعاد ودلالات ما حققته صنعاء من تقدم بإجبار السعودية على كل ذلك، إلا أن شخصيات بارزة اعتبرت ذلك تنازلاً جديداً يقدمه المجلس الرئاسي للسعودية، حيث قال سيف الحاضري، المستشار الإعلامي لقائد الجناح العسكري لحزب الإصلاح علي محسن الأحمر، إن تنازل العليمي يقلل من قيمته لدى المملكة، مذكراً إياه بأنه لن يقدم أكثر مما قدمه هادي، الذي نقص ميزانه حتى أطيح به، متسائلاً: هل يدرك العليمي خطورة القادم؟ خصوصاً بعدما أصبح قيادات من الحوثيين "يقطنون في أحد الفنادق القريبة منه"، في إشارة إلى القيادات العسكرية الحوثية التي توجهت للحج، لكن الحاضري اعترف ضمنياً بما تنجزه صنعاء من تقدم وفق ما فرضته من معادلات القوة والندية، بقوله: "الرجال حيث يضعون أنفسهم".

أما على مستوى الشارع السعودي، فقد تحدث البعض على منصات التواصل بأن حكومة المملكة كانت ترصد ملايين الدولارات لقتل قيادات حوثية، ومن ثم استقبلتها في مطار جدة وتوجهت إلى مكة المكرمة، معتبرة أن تلك القيادات داست على حكومة المملكة.

خلاصة القول.. استطاعت سلطات صنعاء التقدم الذي لم يكن في حسبان التحالف ولا الموالين له، سواء في الجانب العسكري أو السياسي، فرغم العداء الذي أنتجته حرب التحالف على النظام السعودي الذي يقود الحرب، لم تبرر صنعاء مقاطعة الحج كونه ركناً من أركان الدين وشعيرة مقدسة لا يمكن التنازل عن أدائها، وبأسلوب راقٍ من الدهاء والسياسة استطاعت تفويج الحجاج عبر مطار صنعاء وبجوازات سفرها، وبإشراف بعثة رسمية من وزارة الأوقاف والإرشاد، الأمر الذي لا يملك أياً من أتباع التحالف أو مؤيديه سوى الاعتراف به، فسلطات صنعاء أجبرت الجميع على احترامها والتعامل معها بندية، وهو في مجمله اعتراف بشرعيتها وأحقيتها، ولا تزال تتقدم بخطوات واثقة باتجاه ما تطلق عليه انتزاع حقوق اليمن واليمنيين بالسلم أو بالحرب.