"قوة المملكة في ضعف اليمن" القاعدة التي تعمل من خلالها السعودية على تدمير جارها الجنوبي

"قوة المملكة في ضعف اليمن" القاعدة التي تعمل من خلالها السعودية على تدمير جارها الجنوبي

YNP -  خاص :

حرصت الدولة السعودية منذ تأسيسها أوائل القرن الماضي على استعداء اليمن، وانتهاج سياسة عدائية تجاهه ترجمتها العديد من الوقائع التاريخية التي كان أبرزها الحرب اليمنية السعودية في العام 1934، والدعم السعودي لحرب الملكية ضد ثورة 26 سبتمبر،

والتي امتدت لعشر سنوات بتأثير هذا الدعم، فيما لم تكن الحرب التي تقودها المملكة في اليمن منذ العام 2015، سوى حلقة من حلقات السياسة العدائية السعودية تجاه اليمن، بحسب المحللين السياسيين.

ورغم أن اليمن لم يشكل عبر التاريخ الحديث أي تهديد مباشر أو غير مباشر لأي من جيرانه، وعلى رأسهم السعودية التي اعتبرتها الأنظمة والنخب اليمنية التي ارتبطت بها، بمثابة الشقيقة الكبرى، إلا أن المملكة استمرت في سياستها العدائية تجاه اليمن، رغم انعدام أي مبرر منطقي سوى مخاوفها من البلد المغرق في تاريخه والعريق بحضارته والغني بثرواته المادية والبشرية.

وظل إفقار اليمن وتغدية الصراعات فيه والسيطرة على مقدراته هو الاستراتيجية التي اتبعتها السعودية في تنفيذ سياستها الهادفة إلى إضعاف اليمن واحتوائه كتابع لا يملك شيئا من قراره ولا من إمكانياته وثرواته التي طالت يد المملكة الكثير منها عبر التمدد التاريخي والمستمر للسعودية في مساحات شاسعة داخل الأراضي اليمنية، فيما عملت على من استثمار ما استحال عليها الاستحواذ عليه من ثروات هذا البلد.

عمدت السعودية منذ عقود إلى إفقار اليمن والتحكم باقتصاده، والحيلولة دون إحداث أي نهضة اقتصادية من شأنها أن تعزز إمكانيات هذا البلد، وتجعله مالكاً ثرواته وحراً في قراره، وهو الأمر الذي سيخرجه من حالة التبعية لها، ويبرز اليمن الذي يمتلك الإمكانات البشرية والموارد الطبيعية والموقع المتميز، كقوة في المنطقة.

ذلك هو ما تجمع عليه حقائق المراحل السابقة، وتدعمه السياسة السعودية تجاه اليمن طيلة العقود الماضية، والتي اتسمت بإعاقة أي مشروع نهضوي، وفرض التبعية الاقتصادية كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، لتكون النتيجة عقود من التدهور الاقتصادي عاشتها اليمن، منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، مورست خلالها سياسة التجويع والإفقار للمواطن اليمني، وتجميد مقدراته أو تسخيرها لصالح رمز النظام الذي فرضته السعودية على البلاد.

في مقال نشره موقع مجلة فورين افيرز الأمريكي، أكد الباحث المتخصص بالشأن اليمني في معهد وينستون الأمريكي آشر أوركابي، أن الحرب الاقتصادية التي تشنها السعودية بموازاة حربها العسكرية في اليمن، والتي ترتب عليها أضرار اقتصادية بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى فرض الحصار وتعطيل الموارد، ليست سوى الحلقة الأحدث في تاريخ طويل من المحاولات السعودية للسيطرة على اقتصاد اليمن والمؤسسة السياسية وإخضاعهما.. مضيفاً أنه ولأكثر من ثلاثة عقود، شنت السعودية حملة اقتصادية لقمع جارتها الجنوبية في محاولة لمنعها من الظهور كمنافس إقليمي.

وأشار المقال إلى ما تتعرض له العمالة اليمنية في السعودية من ممارسات تعسفية وطرد وترحيل، كصورة من صور الحرب الاقتصادية طويلة الأمد، وقال: "إن قرار المملكة العربية السعودية طرد العمال اليمنيين- رغم كونه شنيعاً بشكل خاص، نظراً لظروف تهجيرهم- هو جزء من نمط طويل الأمد"، لافتاً إلى أنه "منذ إنشاء الدولة السعودية الحديثة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، خشي الملوك المتعاقبون التهديد الذي قد يشكله اليمن الموحد والمزدهر والديمقراطي على حكمهم، خاصة بعد توحيد شمال وجنوب اليمن في عام 1990". فعمدت السعودية "لإثارة الانقسامات الداخلية وإضعاف الاقتصاد اليمني، لا سيما من خلال سحب تصاريح عمل الضيوف وإلغاء المساعدات الخارجية التي تعتمد عليها البلاد".

وأضاف الباحث الأمريكي أن الجهود التي استمرت عقوداً لعرقلة التنمية اليمنية لم تحقق الأهداف الأمنية السعودية المتمثلة في إقامة دولة يمنية ضعيفة، موضحاً أن الأمر لم يتوقف عند حدود ذلك الفشل، بل إن السعودية وعبر استهدافها لاقتصاد اليمن، نجحت فقط في توليد صراع عسكري مكلف ومتقلب.

ومن وجهة نظره قال أوركابي، إنه من الأفضل للسعودية دمج اليمن في الاقتصاد الإقليمي وخلق مسارات قانونية للعمالة اليمنية في أراضيها، حيث قال: "على الرغم من أنه قد يبدو من السابق لأوانه التفكير في مستقبل ما بعد الصراع في اليمن نظراً للأعمال العدائية المستمرة، يمكن القول إن من مصلحة المملكة العربية السعودية ليس فقط وقف توغلها العسكري ولكن أيضاً المساعدة في دعم جارتها سياسياً واقتصادياً".

المقال الذي أعده الباحث الأمريكي المتخصص بالشأن اليمني في معهد وينستون الأمريكي، آشر أوركابي، وإن كان قد أصاب الحقيقة التي لا جدال حولها والمتمثلة في الحرب الاقتصادية طويلة الأمد التي تشنها السعودية على اليمن، فإنه- بحسب مراقبين-  اكتفى بتلك النظرة العمومية للقضية، والتي حاول حصرها في مشكلة العمالة اليمنية في السعودية، والتي أبرزها كأهم صور هذه الحرب الاقتصادية، ودعا السعودية إلى إيجاد مسارات قانونية لهذه المشكلة ودعم الاقتصاد اليمني، بعد فشل أهدافها من وراء تدميره، مغفلاً أو جاهلاً عن صور ومسارات أخرى أكثر أهمية في هذه الحرب المستمرة على اقتصاد اليمن.

وفرضت السعودية منذ سبعينات القرن الماضي منظومة ثلاثية "سياسية وعسكرية ودينية" موالية لها لحكم اليمن، على ممارسة سياسة التجويع والإفقار للمواطن اليمني، فيما مقدرات البلد الاقتصادية تذهب لصالح ذلك النظام والنافذين المرتبطين به من القوى المشيخية والعسكرية والسياسية.

مهدت سياسة الإفقار التي مورست في اليمن خلال أكثر من ثلاثة عقود، وتحكم فئة معينة تابعة للسعودية بمقدرات البلد الاقتصادية واستغلالها لصالحهم بعيداً عن مصلحة الشعب، لتحكم السعودية القرار اليمني عموماً والقرار الاقتصادي بشكل خاص، فأوقفت عجلة التنمية التي كانت قد انطلقت في عهد الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي، وحولت اليمن من دائن إلى مدين، وبدأ العجز العام في الموازنة يتصاعد منذ عام 1982م ولم يتوقف حتى عام 2014م، كما عملت على تغييب أي رؤية اقتصادية للحكومات السابقة.

وامتدت يد السعودية إلى منع استغلال أيٍّ من تلك الموارد المتنوعة التي تمتاز بها اليمن، فلم تشهد البلاد على مدى تلك السنوات الطويلة أي اهتمام حكومي بالثروة الزراعية أو الحيوانية أو السمكية، كأبرز مصادر توفير الأمن الغذائي، لتتحول البلاد إلى مستورد لما يقارب 90% من احتياجاتها، وهو ما أرهق الاقتصاد اليمني وألقى بآثاره الكارثية على الحياة المعيشية لملايين السكان، فيما انحصرت صادرات البلد المتنوع الموارد والثروات في مورد واحد هو النفط والغاز بنسبة 80%.

وخلال العقود الماضية جمدت الحكومات السابقة الخاضعة للوصاية الخارجية عدداً من الأولويات الاقتصادية، فأهملت المجال الزراعي، وفتحت المياه الإقليمية للاصطياد الجائر من قبل شركات عالمية، كما فتحت السواحل اليمنية أمام عمليات التهريب.

واقتصر الاستثمار للثروات النفطية على 20% من القطاعات النفطية، في حين ظلت 80% من خارطة القطاعات الاستكشافية، بحسب الدراسات والمسوحات، مجمدة، ويعود ذلك إلى وقف السعودية عملية التنقيب عن النفط على مر العقود الماضية في عدد من القطاعات، منها حقل حرض النفطي الذي يُعدُّ أول حقل نفطي في شمال اليمن، تم استكشافه عام 1977م، كما تم إيقاف التنقيب في الجوف مطلع ثمانينيات القرن الماضي.

تلك التدخلات والقيود التي وضعتها السعودية على الاقتصاد اليمني، قوبلت بخضوع من الحكومات المتعاقبة، بسبب ارتباط رأس النظام وأجنحته المشيخية والعسكرية والسياسية التي كانت تمثل في مجموعها منظومة الحكم آنذاك، وتبعيتها المطلقة للسعودية، التي ظلت متحكمة بالقرار اليمني، وتتعامل مع اليمن كحديقة خلفيه لها، تدار عبر أيادي الرياض الخفية وعملائها المشمولين بقوائم اللجنة الخاصة، وليست دولة مستقلة ذات سيادة.


تابعونا الآن على :

ذات صلة :